نراقب عدد الشهداء. ليس رغبة في معرفة قصصهم، بل إدماناً للعبة الأرقام! كم هو العدد اليوم؟ خمسون؟ مئة؟ مئتان؟ نتطلع الآن لمن سيفوز بهذا الرقم الجميل المدور، هذا الرقم المميز. سنهتم بشدة لمعرفة اسمه وبلده، وفي أي عام رمت به الحياة إلينا.

هل سنعتبر صاحب الرقم مئتين، محظوظاً؟ هل سنعتبره فائزاً في لعبة "اليانصيب الجنائزي"؟ كيف سيكون وصف هذا الشهيد الذي لم ينتبه إليه أحد في حياته، وانتبه إليه الجميع هنيهة في موته؟ من سيكون ضحية هذا العيد لهذا اليوم... "عيد الحب"؟ وهل سيكون شهيداً أم عاشقاً؟ وهل عشقه لفلسطين حلال أم حرام؟
محظوظ أنت أيها الشهيد الذي سيكون رقمك مئتين! سيتابع أخبارك العديد من الناس، وسيكتبون لك بعض العبارات الثقيلة، وسيحصل اسمك على الكثير من اللايكات... وسيعمل العديد من الأشخاص بعدك على وضع صورتك واسمك بجانب الرقم (٢٠٠)، ومهما يكن، فستبقى رقماً، رقم الفرح للمهللين لرقمك المميز، وسيزيد عدد أصدقائهم الفيسبوكيين، هي لعبتهم القائمة على موتك، هو حظهم المبني على حظك.
لن نتذكر الكثير عنك، ولن نحاول التعرف أكثر إلى ما عشت، سنكتب عنك "كان رجلاً شجاعاً، يحب أخوته وأخواته، ومطيع لوالديه، وكان يلتزم الصلوات الخمس، ويحفظ القرآن"، ولن يتذكر الكتّاب أنفسهم أنهم كانوا لا يطيقونك لأنك أحسن خلقاً منهم، ولن يعترفوا بكرههم لك، لأنك كنت مميزاً في دروسك وفي سلوكك، ولم يعلموا أنك ستكون شهيداً ليلتقطوا "السيلفي" معك.
أيها الشهيد الطفل، صاحب الرقم مئتين، سيتقاتل الفتحاويون والحمساويون بعدك على انتمائك الحزبي، وسيبحثون جيداً في اعترافاتك "الفيسبوكية" لمعرفة إلى أي فصيل كنت تنتمي؟ أو أنك كنت تفضل بعضهم على بعض. سينبشون عباراتك التي كُتبت قبل عام أو عامين، وسيتشاركونها، اقصد يعملون لها "شير" على اعتبار أنها مقولات خالدة. لكنهم بالطبع لن يلتزموا بها، لأنهم إن فعلوا فقد انتهوا.

هذه هي القصص التي تبقى في كتبنا وذاكرتنا، وقليلاً منها للتاريخ، ومن بين كل تلك الأسماء سيكون المحظوظ الذي يبرز في موته. مضحكة الفكرة ومبكية أليس كذلك؟ لكن هذه هي الحقيقة، وهذا ما أتخيله لنفسي، لا أريد أن أكون رقماً بين تلك الأرقام العادية، أرغب في أن أكون واحداً من تلك الأرقام الصحيحة، أرقام ربما ستمنحني قليلاً من الأمل وتشجعني على الموت أكثر.
لم يحالفني الحظ كثيراً وأنا "حي"، لذا أريد حصتي من الحظ وأنا مستشهد أو ميت ضمن فعل جماعي كبير، ولن أقبل بأقل من ذلك، ولن أسامحكم إن لم يحدث ذلك.