غزة | أربعة وتسعون يوماً من الصيام حتى عن الملح. أربعة وتسعون موتاً، ميتات من كل الأشكال والألوان لاحقته يوماً تلو يوم، هرب منها بأعجوبة الصمود، على الرغم من أنه كان أعزل سوى من قلب مليء بالإيمان والحب لفلسطين يساوي.

لا أدري لماذا أستصغر كلماتي وكلام الجرائد، وحتى المتضامنين في الشوارع، كل شيء يبدو تافهاً وأقل مما يستحق، أقل من حقه ومن سموه ومن كرامته، نعم كرامته التي سحقتنا جميعاً أسفل قدميه!
في كل مرة كنت أشاهد فيها صوره كنت أحس وجهه يلومني "لماذا أنا هنا؟ كنت أدافع عنكم لا تجعلوني عبرة مرتين!"، مرة حين أُعتقل في سجون السلطة الفلسطينية، لأنه تظاهر وعبر عن رأيه، والدستور الفلسطيني ينص في مبادئه على "الخرس" وإلا السجن، ومرة حين أخذه الاحتلال الإسرائيلي من بين أولاده وزوجته، لتصريحاته ضدهم، وكأن عليك تقبيل يد سارق أرضك وحياتك وتمجيده! أيّ استخفاف هذا؟!
أما زوجته وفي أول يوم صادفت فيه وجهها على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد عرفت من الذي حرك كل شيء لأجل محمد، من الذي حرك الرأي العام وحملات التضامن معه! إنه وجهها، وتلك النظرة الثاقبة، وذلك الحب السخي يعطي لملامحها قوة لا تشبه أي قوة أخرى! حين تأملتها عرفت القيق أكثر، لم أقرأ عنه بقدر ما لقننا حبها له من كلام لا يقال، وإنما تشعره بصمت جليل!
اليوم انتصر محمد! كان الكل يشيد بالخبر مرفقاً بصور وبزغاريد وبشعر فيه، وأحدهم زعم على حد قوله: "انتصرنا"!
لا لم ننتصر يا زعيم، لقد انتصر وحده، شعب كامل في رجل واحد، لقد هزمنا انتصاره، أزاح الستار عن ضعفنا وخيبتنا، ما فعلنا شيئاً سوى أننا صفقنا من بعيد، تناولنا فطور ملوك مع شاي واختزلنا كل ما يفعله من نضال لنكتب مشكورين: "القيق في حالة صحية خطيرة... دعواتنا له!". انتصرت يا محمد لأنك زرعت كثيراً من الورد في قلبك، كنت تعرف أكثر منا معنى فلسطين، وأن تكون صحافياً متفانياً للوطن مفعماً بحبه.
صوتك الذي بحّه الوجع والجوع، سيظل كابوساً يلاحقنا، كلسعة نار تحرق ضمائرنا. لم ننتصر، لكننا أحببنا الكذبة لأنها كانت تليق بك جداً، لو أننا ننتصر مثلك يا محمد، ما الذي ينقصنا؟!