دمشق | منذ بداية الأحداث السورية، واتجاهها منحى التسلح، واتساع دائرة العنف في البلاد، مع ما رافقها من دمار وتهديم للبنية التحتية ومؤسسات الدولة، برز تياران داخل جهاز الدولة في سوريا. أولهما، تيارٌ آمن بالتهدئة والعقلانية، وسعى نحو العمل على تسوية أوضاع المسلحين الراغبين بإلقاء أسلحتهم، والعودة إلى حياتهم الطبيعية. وآخر، رأى أن النار لا تواجه سوى بالنار.


ورغم أن الكفة كانت ترجح أحياناً لمصلحة التوجه الأول، إلا أنه، وعند الذهاب نحو التنفيذ على الأرض، كان العديد من العراقيل يبدأ بالظهور. يروي زاهر (27 عاماً)، وهو أحد المسلحين ممن تمت «تسوية أوضاعهم» لـ«الأخبار»: «سلَّمت سلاحي في منتصف السنة الماضية. كان التعامل معي جدياً، وتم إخلاء سبيلي، بعدما تعهدت بعدم العودة إلى حمل السلاح. لكن بعد ذلك، تم اعتقالي مرتين من قبل أحد الفروع الأمنية، وتعرضت لمضايقات عديدة. وهذا ما دفعني في النهاية للجوء إلى الأردن، والعمل في محل للألبسة. على الأقل أستطيع العيش باستقرار هنا».
وقد شهدت غالبية المناطق الساخنة في المحافظات السورية محاولات عدة تهدف إلى تسوية أوضاع المسلحين، والعمل على إنجاز المصالحة الوطنية. وكان شيوخ بعض العشائر، ووجهاء الأحياء الشعبية، بالإضافة إلى مجموعات من الشباب الساعي نحو التهدئة، هم العماد الرئيسي لهذه المحاولات، التي فشل بعضها، وبعضها الآخر تمكن من إحداث خرق هنا، أو خرق هناك، ليبصر بعدها النجاح. لكنهم كانوا دائماً عرضة لنيران الطرفين، إذ كان ريف حمص قد شهد سابقاً مقتل ستة مفاوضين من لجان المصالحة الوطنية التي شكلتها الحكومة، على يد مسلحين موالين خارج إطار الجيش السوري، بعدما اشتبه المسلحون الموالون بأن المفاوضين على صلة سرية مع المعارضة المسلحة. أما في درعا فقد قام مسلحو المعارضة بقتل عضو لجنة المصالحة الوطنية، الشيخ خالد هلال، وثلاثة من مرافقيه، بحجة أنهم يجمعون المعلومات للنظام.
في المقابل، كانت قضية المصالحة الوطنية فرصة استغلها بعض السماسرة لجني الأرباح على حساب عذابات الناس. فانتشرت مكاتب ولجان غير حكومية تبنت العمل على هذه القضية. عرضت السيدة صباح، التي كان لها قصة طويلة مع هذه المكاتب، روايتها لـ«الأخبار»: «ذهبت إلى أحد المكاتب العقارية، والذي كان صاحبه يعمل بالمصالحة الوطنية، دفعت أول مرة 50 ألف ليرة سورية، فقط لأعرف مكان تواجد ابني، لا أعرف حتى اليوم إذا كان مخطوفاً أو معتقلاً. إلا أنني اكتشفت لاحقاً أن المعلومات التي كان يقولها لي صاحب المكتب كلها كاذبة. لكن حتى ذاك الوقت، كنت قد بعت كل ما أملكه».وينقسم المسلحون في سوريا، حسب الظروف العسكرية في مناطق تواجدهم، إلى من يعارض فكرة تسوية الأوضاع، ومن يرى فيها مدخلاً حقيقياً للتخلص من الآثار السلبية لتسلّحه. ويرفض «أبو العز»، أحد مسلحي كتيبة «أسود الحق»، منطق تسوية الأوضاع هذا، إذ قال في حديثه لـ«الأخبار»: «الخاسر هو من يرمي السلاح، نحن لم نخسر والنظام لم ينتصر، فلماذا نرمي أسلحتنا؟». في المقابل، قال أحد المطلوبين، وقد رفض الكشف عن اسمه: «ضغط أبناء ضيعتي عليَّ لأعلن انشقاقي أثناء خدمتي العسكرية، لكني لم أفعل. بعدها بدأوا بالتضييق على عائلتي بشتى الوسائل. لذلك عدت إلى قريتي ولازمت بيتي، ولم أنضم إلى أي فصيل مسلح، وبهذا أصبحت فاراً من الخدمة قانونياً»، ثم عقّب: «كثيرون قالوا لي أن أعود لتسوية وضعي والعودة إلى حياتي الطبيعية، وهذا ما أريده، لكن كيف لي أن أضمن عواقب ذلك؟».
وفي حديثه مع «الأخبار»، لفت وزير المصالحة الوطنية، علي حيدر، إلى أنه: «بالنسبة إلى تسوية أوضاع المسلحين، فإننا نرسل لوائح بأسماء الراغبين بتسوية أوضاعهم إلى مكتب الأمن الوطني. وبعد دراسته لهذه اللوائح، يعيد لنا المكتب قائمة بأسماء من يمكن تسوية أوضاعهم، ومن عليهم إشكالات أمنية أو ملاحقون بدعاوى شخصية». وأضاف: «في بعض المناطق الساخنة، هناك مسلحون راغبون بتسوية أوضاعهم، إلا أنهم يخشون من خطر المسلحين الرافضين لذلك. هؤلاء نعمل معهم بسرية تامة، ونؤمن خروجهم إلى مناطق هادئة، لنسوِّي أوضاعهم بعد ذلك». وعن شكاوى الاعتقال بعد تسوية الأوضاع، قال حيدر: «هذه المشكلة لم تحصل معنا كوزارة، إنما كانت موجودة في المراحل الأولى لتسوية الأوضاع. والسبب يكمن في أن العملية لم تكن ناضجة بالكامل، فكان البعض يسوي وضعه مع أحد الأجهزة الأمنية، ويخلى سبيله على هذا الأساس، لتعود أجهزة أخرى إلى اعتقاله، لأنه لم يتم تعميم شطب اسمه من قائمة المطلوبين».
عمار كسكين، أحد طلاب جامعة دمشق، وفي معرض حديثه عن الإجراءات التي يمكن أن تشكل حلاً لمشكلة تسوية الأوضاع، قال لـ«الأخبار»: «سمحت الدولة بالمقاومة الشعبية في الجولان. وهناك من أطلق مبادرات لهذه المقاومة، فلماذا لا يلجأ المسلحون، الذين يخافون فقدان الضمانات، إلى العمل هناك؟ وبهذا يكونون قد وجهوا البندقية نحو المكان الصحيح، دون تسليمها؟». «أبو العز» يقول، بدوره،: «ترك النظامُ الجبهة 40 عاماً، لم يطلق طلقة واحدة صوبها. منطقنا واضح، نتخلص من (الرئيس السوري بشار) الأسد أولاً، ثم بعدها نقاتل في الجولان»، بينما يبدو زاهر أكثر ارتياحاً للفكرة : «لننس المتشددين. كثيرٌ من المسلحين حملوا السلاح ليدافعوا عن حاراتهم من بطش الأجهزة الأمنية. بعضنا غرر به، لكننا في النهاية لسنا خونة. وكثيرٌ من المسلحين ليس لديه الثقة بجدية النظام في تسوية أوضاعهم». ويضيف: «حين كنا نقاتل، تجادل أفراد الكتيبة حول قصة مسلح قادم من فلسطين للقتال في بلدنا. يومها قلت، وساندني بعض المقاتلين: نحن من يجب علينا أن نقاتل في أرضه. لا العكس».
تتفاوت أساليب التعامل مع المسلحين في سوريا، حسب ظروف كل منطقة وكل حالة، ويبقى القرار السياسي مرهوناً بآليات تنفيذه على الأرض، والالتزام بتنفيذٍ سليم للقرار، مرهون بدوره بوضع الأسس الكفيلة بضبط من لم يزل يعمل بالعقلية القديمة السائدة.