تونس | في خطوة مفاجئة وغريبة استهجنها الوسط السياسي والحقوقي، وفي محاولة لتطويق تداعيات عزل الرئيس المصري محمد مرسي على الشارع التونسي، عمدت الرئاسة التونسية الى تقديم شكوى جزائية بحق الطاهر بن حسين بتهمة الدعوة إلى تبديل هيئة الدولة وتحريض الجيش للانقلاب على السلطة الشرعية، وذلك على أثر مطالبته بحل المجلس الوطني التأسيسي وكل ما ترتب عنه.

وتعني خطوة بن حسين حل الحكومة وإقالة الرئيس، باعتبار أن المرسوم الذي دعا التونسيين إلى انتخابات ٢٣ تشرين الأول ٢٠١١ حدد عمل المجلس بسنة واحدة وضبط مهمته في كتابة الدستور. وبالتالي، فإن الشرعية انتهت وهذه الدعوة لم تكن دعوة بن حسين فقط، بل تشترك فيها أحزاب عديدة رفعت سقف مطالبها وخاصة بعد ٣٠ حزيران وسقوط حكم «الإخوان».


خطوة استباقية

منذ سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، لا حديث لزعماء الترويكا في تونس (حركة النهضة وحزبا المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات) إلا عن الشرعية وعن استحالة تكرار السيناريو المصري هنا.
وفي خطوة استباقية، عملت الترويكا على تسريع نسق عمل المجلس التأسيسي الذي يعاني من الركود وذلك بانتخاب هيئة مستقلة للانتخابات تضم ٩ أعضاء من حملة ٣٦ مترشحاً تم قبول ترشحهم.
لكن عملية الانتخاب لا تزال مستمرة منذ يوم السبت الماضي بسبب التجاذبات، حتى كمال بن مسعود الذي تم انتخابه في إطار تمثيلية الأساتذة الجامعيين استقال بعد ساعات فقط من انتخابه بسبب «المحاصصة» الحزبية في الهيئة. وأكد أنه لن يكون شاهد زور نظراً إلى انعدام إمكانية استقلالية الهيئة، وهو ما حذّرت منه المعارضة التي شككت في استقلالية الهيئة ما دامت منتخبة من المجلس التأسيسي.
وتمثل معركة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أبرز معركة ستحدد مستقبل الانتقال الديموقراطي في تونس، فقد أعلنت جمعية «عتيد» المتخصصة في مراقبة الانتخابات رفضها للهيئة وللطريقة التي انتخبت بها، وأعلنت مقاضاة هيئة فرز الترشيحات في المجلس التأسيسي لدى المحكمة الإدارية لحل الهيئة بسبب ما اعتبرته خروقات شابت انتخابها.
وتطالب جمعية عتيد وعدد آخر من الحقوقيين بإحياء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات القديمة التي نظمت الانتخابات السابقة التي تواجه تهماً بسوء التصرف المالي، لكن هذه التهم اعتبرها رئيسها الحقوقي، الذي دافع عن الإسلاميين زمن بن علي، كمال الجندوبي، أنها تهم ملفقة الغاية منها إبعاده عن الهيئة.
ولا تخفي أغلب الأحزاب خوفها من تزوير الانتخابات المقبلة إذا جرت تحت إدارة الحكومة الحالية، لذلك ترتفع الآن أصوات المعارضة وخاصة الأحزاب الرئيسية مثل نداء تونس والمسار الديموقراطي الاجتماعي والحزب الاشتراكي وحزب العمل الوطني الديموقراطي وائتلاف اليسار (الجبهة الشعبية) من أجل وضع خريطة طريق جديدة، أبرز معالمها حكومة إنقاذ وطني تنظم الانتخابات، وهيئة خبراء تراجع الدستور، ومراجعة التعيينات في هياكل الدولة لمنع اختراق حركة النهضة لجهاز الدولة بما يمكّنها من السيطرة على الإدارة وتنظيم الانتخابات حسب مقاييس محددة على طريقة النظام المخلوع.
وفي السياق، دعت هذه الأحزاب إلى مؤتمر وطني للإنقاذ في شهر تموز، واعتبرت أن يوم ٢٣ تشرين الأول هو آخر مهلة لحل المجلس التأسيسي الذي تُجمِع غالبية قوى المعارضة على أنه أصبح جزءاً من المشكلة التي تعانيها.
ولم يستبعد نواب من المعارضة تقديم حوالى ٣٠ نائباً استقالتهم من المجلس، وهو ما سيشكل مأزقاً حقيقياً للترويكا التي تتباهى بالشرعية وتهدد معارضيها بالعنف والفوضى.
من جهة أخرى، شن رئيس الحكومة، علي العريض، هجوماً على حركة تمرد واعتبرها حركة «مشبوهة... ومستوردة»، فيما تم إيداع أحد ناشطيها في مدينة سوسة السجن بتهمة تبادل العنف.
واعتبرت الحركة في بيان أن كل محاولات الترهيب والتخويف التي تتعرض لها لن تثنيها عن تحركها السلمي لإسقاط المجلس التأسيسي. ودعت رئيس الحكومة إلى تقديم خريطة طريق لما تبقى له من أيام قليلة في الحكم، على حد قول أحد قيادييها ياسين الورغي. وتؤكد الحركة أنها أنهت تركيز تسنيقياتها في ٢٥ محافظة تونسية وأن عدد الموقّعين على بيانها وصل إلى نحو مليونين.
واتهم ناشطون حركة النهضة بتخزين الأسلحة وتدريب ميليشيات استعداداً لقمع الحراك الشعبي الذي ستقوده حركة تمرد التي لم تحدد ساعة الصفر بعد.

أسرار ١٤ يناير

الحراك السياسي الذي تعيشه تونس متعدد الأوجه، والقضايا العدلية لم تقتصر على رموز النظام السابق، بل طالت حتى الجنرال رشيد عمار قائد أركان الجيوش الذي يحظى بتقدير كبير عند التونسيين، قبل أن تقرر «النهضة» شن حرب خفية عليه لإبعاده وهو ما تمكنت منه أخيراً.
الجنرال عمار، الذي اعتبر واحداً من أبرز أسباب نجاح الحراك الشعبي بإزاحة بن علي، متهم بقضايا خطيرة جداً، منها التآمر على أمن الدولة وحثّ السكان على الاقتتال وذلك حسب عريضة الدعوى التي قدمتها محامية نقابة الأمن الداخلي. وتشمل الدعوى أيضاً كلاً من الرئيس السابق فؤاد المبزع وآخر رئيس للوزراء في عهد بن علي محمد الغنوشي، والعربي نصرة صاحب قناة «هنيبعل» والعميد في الجيش أحمد شوبير. وتأتي هذه الدعوة لدى المحكمة الابتدائية في تونس والمحكمة العسكرية حسب محامية النقابة لمياء بن قدور بحق عائلات أعوان الأمن الذين قتلوا بين ١٦ و١٧ كانون الثاني ٢٠١١ وعددهم ١٣، و٤٣ جريحاً أصيبوا من قبل الجيش.
واعتبر متابعون للمشهد السياسي والأمني في تونس أن هذه القضية من شأنها أن تكشف أسرار ما حدث يوم ١٤ يناير عندما غادر بن علي البلاد فجأة.