القاهرة | بعد دعوة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي «المصريين الشرفاء الأمناء إلى النزول إلى كل ميادين مصر يوم الجمعة لإعطاء القوات المسلحة والشرطة تفويضاً وأمراً لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل»، ازداد الموقف اشتعالًا، وظهرت مخاوف واضحة من دخول مصر في حرب أهلية، وخصوصاً أن جماعة «الإخوان» رأت أن الدعوة تستهدفها، فدعت بدورها إلى الحشد في الميادين باليوم نفسه «ضد الانقلاب»، مع البحث في تدويل القضية، في حال استمرار ما تعتبره العنف ضدهم.


وجاء في بيان صادر عن «التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب»، الذي شكله الإخوان المسلمون عقب إطاحة الرئيس السابق محمد مرسي، أن «تهديدات السيسي قائد الانقلاب العسكري الدموي هي إعلان حرب أهلية وتنذر بارتكاب المذابح الواسعة تحت غطاء شعبي مزيف، وأن هذا لن يرهب الشعب المصري ولن يزيده إلا إصراراً».
وأضاف التحالف، الذي أعلن تنظيم تظاهرات حاشدة عقب صلاة الجمعة في القاهرة، أن «ما جاء على لسان السيسي يؤكد ما قلناه من قبل، أن السيسي هو مدبر الانقلاب وهو الذي يحكم ويقتل ويدير هذه الحرب الشرسة على شعبه وأهله».
خطاب السيسي جاء من دون تحديد واضح لمعنى «كلمة الإرهاب»، وهو ما فهمه الكثيرون بأنها تعني مواجهة تظاهرات «الإخوان» واعتصاماتهم في رابعة والنهضة ومحافظات إقليمية أخرى، وهو ما يعني أن مصر ستدخل في نفق الحرب الأهلية، وخاصة أن الجمعة القادم ستشهد تظاهرات وحشوداً كبرى من أنصار الجانبين؛ فالتيار المؤيد للسيسي سيضم فئات كبرى كالمتضررة من حكم الإخوان وفلول نظام حسني مبارك. أما التيارات الإسلامية، فستحشد من الجهة الأخرى لأنها تعتقد أنها في معركة حياة أو موت، وفشلها في الحشد سيعني أن السلطة لن ترحمها وأن مرحلة ما بعد 1954 ستعود إلى المشهد من جديد، كما يقول صلاح لبيب، المحلل السياسي لـ«الأخبار».
جماعة «الإخوان» رأت أن بيان السيسي هو بمثابة تحريض على العنف بين المواطنين المختلفين سياسياً، بحسب تصريحات القيادي في الجماعة، سعد عمارة، في تصريحات لـ«الأخبار»، واصفاً تصرفات السيسي تجاه المعتصمين من أنصار الرئيس المعزول بأنها «الإرهاب بعينه»، مشيراً إلى أن المجلس العسكري يتعامل بفاشية ضد معارضيه.
وقال عمارة، عضو مجلس الشعب المنحل، إن السيسي حول بخطابه هذا الدولة وأجهزتها إلى قاضٍ وجلاد في نفس الوقت، مضيفاً: «عندما شعر السيسي بتأييد كبير وواسع في الشارع المصري، حاول استباق ذلك من خلال حشد مناصريه يوم الجمعة المقبل».
وكشف عمارة عن أن تدويل القضية هو الحل، وأن الجماعة ستلجأ إلى المحاكم الدولية في حال استمرار العنف والقتل الموجه إليها وإلى أنصارها من قبل السيسي ومجلسه، مؤكداً أن الجماعة ستستمر بتظاهراتها السلمية ومسيراتها في مختلف أرجاء المحافظات المصرية دعماً للشرعية، «حتى لو سقط منا مليون شهيد»، موضحاً أنّ مليونية «الفرقان» يوم الجمعة المقبلة دعت إليها الجماعة منذ عدة أيام، دون تعطيل مصالح المواطنين أو قطع طرق.
بدوره، قال القيادي في جماعة «الإخوان»، عصام العريان، إن دعوة السيسي إلى تظاهرات حاشدة يوم الجمعة ضد «العنف والإرهاب» تهديد للجماعة. وأضاف على صفحته على موقع فيسبوك أن «تهديدك لن يمنع الملايين من الحشد المستمر». ووصف السيسي بأنه «قائد انقلابي يقتل النساء والأطفال والركع السجود».
في غضون ذلك، رأى القيادي في حزب «النور» السلفي، يسري حماد، أن المليونية التي دعا إليها السيسي تستحق أن يطلق عليها باقتدار مليونية التحريض على القتل. بينما أفادت مصادر لـ«الأخبار» إلى أن الحزب سيعقد اجتماعاً يحدد موقفه النهائي من بيان السيسي، على أن يعلن خلال ساعات.
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية، عبد الفتاح ماضي، لـ«الأخبار»، إن «تصدير خلافات النخبة السياسية للشارع عملية مدمرة تؤكد دخول مصر في حراب أهلي، يغذيه قصر نظر السياسيين والقوات المسلحة المصرية»، موضحاً أنّ هذا الصراع الشعبي هو استمرار لمسلسل الأخطاء الذي يقوم بتسييس ما لم يجب تسييسه، مثل الإعلام والجيش والشعب، وهو يجب أن يكون بعيداً عن الاحتقان الدائر في البلاد ويجب ألا يشاركوا به، وهو ما لم يحدث.
وأشار إلى أن «المخرج من الأزمة الحالية هو إدارة المرحلة الانتقالية بشكل سياسي عبر طاولة حوار تضم الجميع وتخرج برؤية، دون استخدام الشعب طرفاً في هذه المائدة».
ورأى أستاذ العلوم السياسية محمد عبد ربه، أن «الرئيس ونائبه وحكومته مجرد ديكور مدني للتغطية على تحركات وسياسات الحاكم الحقيقي، فأي إجراءات ضد الإرهاب لا بد من أن تأتي من الرئيس ورئيس حكومته ووزير داخليته ووزير دفاعه ومجلس الدفاع الوطني بحسب الإعلان الدستوري الحالي ودعوة وزير الدفاع منفرداً للشعب تؤكد أنه مركز الثقل الحقيقي».
خطورة الخطاب، بحسب عبد ربه، في أمرين هما: الاستقواء بالحشد دوماً لمواجهة المسارات السياسية، وهو حل أسوأ من الحلول الأمنية، لأنه يشرعن الحركة في الشارع لمواجهة أي فصيل، ولن يقتصر ذلك على الإخوان، وسيطاول قوى أخرى في المستقبل، وثانياً أنه يعرض الجيش لمخاطر حقيقية نتيجة الانخراط في مواجهات مع الشارع الآخر المعترض.