لم يكن غريبا أن يأخذ الإعلام الإسرائيلي الإعلان الإيراني عن تقديم مساعدات إلى أهالي شهداء «انتفاضة القدس» بهذه الجدية والحدة. فالإعلام الإسرائيلي عامة (رغم مزاعم استقلاليته واستقلالية قراراته) يشكل ذراعا طويلة للسلطة الإسرائيلية خاصة الحكومية؛ قد تجده عامة ينتقدها هنا وهناك، بعض البرامج الكوميدية (على غرار برنامج جون ستيوارت الأميركي) قد تسخر من رئيس الحكومة ووزرائها، والنشرات الإخبارية بمقدميها قد تنتقد سياسات الحكومة الداخلية والخارجية، ولكن الحقيقة أنه إذا ما جد الجد، فسيكون الإعلام الإسرائيلي، على اختلاف قنواته ووسائله، أول من يقف بجانب حكومته ليحاول بكل الطرق المتاحة أمامه دعمها ودعم موقفها من أي قضية جذرية، كقضية هدم بيوت أهالي الشهداء!

هوس إسرائيلي بالتبرع الإيراني لعائلات شهداء الانتفاضة

هكذا مثلا يظهر أوهاد حمو، مراسل القناة الإسرائيلية الثانية، وهو يتنقل في أزقة مخيم شعفاط، ليسأل الناس بلغة عربية فصحى تارة، وعامية جيدة تارة أخرى، لكن مطعمة بلكنة غربية أحيانا، عن رأيهم بالتصريح الإيراني حول تقديم المساعدات المالية إلى من هدمت بيوتهم أو أهالي الشهداء، أو رأيهم من موقف السلطة الفلسطينية، وحتى إن كانوا قد تلقوا أي مساعدة من جهة حتى اللحظة، ثم موقفهم من إيران، ورأيهم حول الدافع الأساسي لهذه المساعدات.
يُعرف حمو بأنه متخصص بتغطية قضايا الضفة والمستوطنات للقناة الثانية، لكنه أيضا من حين إلى آخر، قد يغطي قضايا تخص فلسطينيي الـ48 إذا كانت ذات طابع أمني. وهو مع لغته العربية الجيدة نسبيا، يتميز بأن تغطيته ميدانية عبر مقابلات مع الفلسطينيين في الشوارع، لرصد آرائهم ونقلها إلى المجتمع الإسرائيلي.
قد تبدو أسئلته عامة عادية، ضمن تقرير صحافي لرصد ردود فعل جماهيرية حول موضوع ما، لكن التدقيق في أسئلته يثير تساؤلات، فمثلا حينما كان يتنقل في شوارع شعفاط ليسأل الناس مباشرة عن رأيهم بالتصريح الإيراني، بدا كمن يبحث عن رأي واحد يهاجم إيران، أو يرفض المبادرة أو يتهمها بمحاولة «شراء الرأي العام الفلسطيني»، فلمّا لم يجد ضالته، صار يوجه الأسئلة بصورة تحريضية مذهبية، مثل سؤاله: «أنت كفلسطيني سني لا توجد لديك مشكلة بتلقي مال إيراني شيعي؟!». ولكن الجواب الفلسطيني جاء جاهزا وواضحا، من «لا»، حتى «نحن نرحب بكل دعم غير مشروط»، مرورا بـ«لقد رأينا إيران عندما تدخلت ودعمت المقاومة في غزة ولم نسمع عن سنيّ واحد غيّر مذهبه لقاء الدعم»!
عزاء إسرائيل الوحيد في كل الموضوع على ما يبدو هو الموقف الرئاسي الفلسطيني، بدأ من أبو مازن (رئيس السلطة محمود عباس) إلى تلفزيون فلسطين الرسمي الرافض لهذا الدعم، والرافض لأي دعم لعائلات الشهداء. وسائل الإعلام الإسرائيلي، ومعه السلطات الإسرائيلية عامة، تعي تماما أن هذه المرة لا الشهداء ولا عائلاتهم ولا أي من المنفذين للعمليات منذ بدأ «انتفاضة القدس» حتى الآن قد تلقى أي وعد أو مقابل مادي من أي جهة أو تنظيم، هذا الأمر هو ما يزيد الوضع تعقيدا بالنسبة إليهم، لأن منفذي العمليات يعلمون ما سيواجهونه. بعبارة أخرى، إن ما يجري هو انتفاضة شعبية بكل ما للكلمة من معنى، بدءاً من العمليات الفردية حتى الحملات الشعبية للتبرع لأهالي الشهداء الذين هدمت منازلهم.
ويتبع ذلك أمور أخرى، مثل أن سياسة هدم البيوت التي تتخذها إسرائيل منذ 1967، كوسيلة عقابية جماعية لردع الفلسطينيين عن تنفيذ عمليات ضد جهات إسرائيلية على اختلافها، قد ثبت أنه غير ناجعة، إضافة إلى أنها خرق قانوني لحقوق أساسية حتى بالنسبة إلى القانون الإسرائيلي. لكنه خرق مبرر، أو يمكنهم تبريره بسهولة إذا احتاج الأمر. والخوف الإسرائيلي حاليا هو أن هذه الوسيلة العقابية، غير الناجعة على كل حال، باتت تشكل سببا لتلاحم شعبي، الأمر الذي سيقويه ويزيده أي دعم خارجي في ظل غياب دعم السلطة. وكذلك ما يتعلق بفكرة إبعاد الأهالي إلى غزة.
تتهم إسرائيل إيران بمحاولة إشعال الانتفاضة عن طريق تقديم «محفزات مادية» إلى أهالي الشهداء، قد تشجع شبانا آخرين على الإقدام بتنفيذ عمليات ضد جنود إسرائيليين أو أهداف إسرائيلية. لكن هذا مع ما يتضمنه من فهم للفلسطينيين ليس إلا محاولة يائسة لشرح ما يحدث، بعدما لا يخفى أنهم فقدوا قدرتهم على توقع ما سيحدث وقراءة الوضع العام الفلسطيني بمعزل عن السلطة منذ بدء الأحداث مطلع تشرين الأول الماضي. وبرغم أنها محاولة جديدة لتدارك الأمور التي تخرج يوما بعد يوم عن سيطرتهم أو سيطرة أتباعهم، يرحب الفلسطينيين بأي دعم مادي أو معنوي غير مشروط لأهالي الشهداء، كي لا يتركوا دون ملجأ أو سند في مواجهة هدم البيوت.