ريف دمشق | جولة سريعة في العاصمة دمشق كفيلة بإثبات مدى الأثر الذي خلفته الحرب بانطباعات الدمشقيين عن بلدات وقرى ريفهم القريب. فالغوطة الشرقية باتت مرتعاً لـ«فئة من المتشددين تحاول أن تملي علينا أسس الشريعة. ولا تقبل بنا إلا ونحن راضخون لاعتقاداتهم»، يقول مأمون سردار، صاحب أحد متاجر حي باب توما، قبل أن يستدرك، كغيره ممن قابلتهم «الأخبار»: «نحن لا نعمم ذلك على أهالي الغوطة الشرقية كلهم، لكن هذه الصفات فرضها عليهم المسلحون والإرهابيون».
لكن، ما الذي بقي عالقاً في ذاكرة الدمشقيين من انطباعات حول الغوطة قبل اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011؟ بمعظمهم، احتاج من استطلعت «الأخبار» آراءهم وقتاً ليس بالقليل ليستثير تلك الصور المتوارية خلف ما يزيد على خمسة أعوام من الحرب.
من دكان الخياطة في إحدى حارات حيّ القصاع، يروي جرجس سفريان (73 عاماً): «من أول الأزمة وأنا مشتهي العنب الدوماني... كل العنب بالعالم ما بيتقارن بالعنب الأحمر تبع دوما. عنب حلو والمطر ساقيتو». ويعقب سفريان: «كان إلنا أصحاب كتير من دوما، الأعراس هونيك كانت تردّ الروح. دائماً كان في مطرب دوماني والناس تشرب وتسكر لبعد نص الليل... أكيد مو هدول ذاتهن يلي عم يرموا علينا هاون اليوم».

كل العنب بالعالم ما بيتقارن بالعنب الأحمر تبع دوما

وكمن يريد أن ينفي «التهمة» التي تلاحق انتماءه المناطقي، يتساءل أوس النجار، الطالب في كلية الهندسة الميكانيكية: «بتعرف إنو عنّا بجوبر في مقام للشاعر الأصمعي؟ وفي سوق كامل بإسمه؟»، ليضيف: «اليوم، عندما أقول إنني من جوبر، يتصور البعض أنني سلفي ومتعصب، وبعضهم يتخيل أنني أضمر هذا التشدد في داخلي وأخفيه لأنني أسكن في دمشق... لا يعرفون أن نسبة كبيرة من سكان البلدة كانوا ولا يزالون يساريين ووطنيين».
إن كان استدعاء الصور القديمة لدى سكان العاصمة عصياً بعض الشيء، إلا أن «ذكريات ما قبل الأزمة» لا تزال تنساب بسلاسة على لسان أبناء الغوطة الشرقية النازحين إلى قلب العاصمة. «لم نكن يوماً منقطعين عن بعضنا. أتذكر الرحلات التي كانت تنظمها مدارس دمشق إلى حديقة الجلاء (أكبر حديقة حيوانات في الغوطة الشرقية) في دوما... وكان الكثيرون من شباب دوما ينشرون بسطات البيع بالقرب من الحديقة للاستفادة من تلك الرحلات. لم نكن نعيش في عالم آخر، ولن نكون»، تروي مها دالاتي، السيدة التي انتقلت مع عائلتها منذ أربعة أعوام من دوما إلى مدينة جرمانا.
من مركز مدحت تقي الدين للإيواء في مشروع دُمّر، يؤكد مروان تمر آغا، الأستاذ السابق في الثانوية الصناعية الرابعة في حيّ القابون أنّ «تمركز حيّنا بين العاصمة والغوطة الشرقية جعل عاداتنا متداخلة ومتقاطعة. ليس صحيحاً أن التشدد هو سمة الحي. أجهد كثيراً لأقنع الناس هنا بأن القابون، التي لا تبعد عن دمشق سوى بضعة كيلومترات، ليست من كوكب آخر. وعندما أواجه البعض بأن الغالبية العظمى من سياراتهم كانوا قد اشتروها من المعارض الفخمة الموجودة في حرستا (أكثر من 400 معرض قبل الأزمة) تراهم يندهشون من هول ما مسحته الحرب من ذاكرتهم».
إلى ذلك، يؤكد الاختصاصي في علم الاجتماع، قاسم بدر الدين، أنه كنتيجة للحرب وللقذائف التي سقطت على دمشق، ولبعض التقارير الإعلامية، خُلقت «صورة نمطية» في عقول الدمشقيين حول هذه البيئات، «وفي حالات كهذه، لا يوجد حل إلا بوجود دعاية مضادة، وجهد حثيث، للتذكير بالحالة التي كانت عليها الحال بين الريف والعاصمة قبل الحرب، وبرأيي، يحتاج هذا إلى جهد مركز في داخل هذه البيئات أولاً، وفي العاصمة ثانياً، لأن الخمس سنوات الماضية قد تكون خلقت لدى أبناء تلك البيئات ما يشبه الانتماء الجديد أو ما يسمى هوية الأمر الواقع، وهذا يتطلب من الفعاليات الاجتماعية أن تكسر هذا الجدار الوهمي من خلال النشاطات، ولا سيما مع الأطفال والمراهقين الذين لم تحسم لديهم مثل هذه الانطباعات بعد».