على مسافة أقلّ من أسبوع من موعد الجولة الثّانية لمحادثات جنيف، تبدو «الهيئة العليا للتّفاوض» حائرةً في ما بين المُشاركة أو المقاطعة، أو هي على الأقل تحاول الإيحاء بذلك. وإذا كان عدم الانسجام قد استمرّ طوال السنوات الماضية السّمة الأوضح لأداء الكيانات المُعارضة، فإنّ الجديد في حالة «الهيئة» هو انتقال التناقض إلى «الدائرة الضيّقة» داخل كيانٍ قيل في إنشائه إنّه يهدفُ إلى مأسسة عمل المعارضة، وضبط أدائها في شأن التفاوض على وجه الخصوص. ورغم أنّ «الهيئة» ذاتها كانت قد تمنّعت في الجولة الماضية عن الذهاب إلى جنيف، قبل أن تتراجع عن قرارها بفعل الضغوط، إلا أنّ المشهد أمس بدا مختلفاً. ولا ينبعُ الاختلافُ من التّضارب الكبير بين تصريحات المتّحدث باسم «الهيئة» رياض نعسان آغا (الذي أكّد اعتزامها الذّهاب إلى المحادثات) ورئيسها رياض حجاب (الذي قال بعد ساعاتٍ إنّ قرار المُشاركة ما زال مُعلّقاً حتى نهاية الأسبوع)، بقدر ما ينبع من الحيثيّات التي بنى كلٌّ منهما تصريحاته عليها. ففيما رأى نعسان آغا خلال حديث لوكالة «رويترز» أنّ «انتهاكات اتفاق وقف إطلاق النار من جانب الحكومة السورية وحلفائها تراجعت خلال اليومين الماضيين (...) إذا انتهت الخروقات فهذا يجعل البيئة مواتية لبدء المفاوضات»، شدّد حجاب على أنّ «القوات الحكوميّة المدعومة بالقوات الجويّة الروسية وجنود إيرانيين وفصائل مسلّحة عراقية انتهكت بنحو متكرر وقف إطلاق النار المؤقت واستخدمت البراميل المتفجرة وغازات سامّة». اللافت أنّ نعسان آغا كان قد ترك نافذةً في اتجاه مقاطعة المحادثات عبر إعرابه عن «أمله ألّا يحدث شيء يحول دون ذلك» (على صعيد التزام الهُدنة من قبل الجيش السوري وحلفائه). قبلَ أن يأتي الرّد من قِبل حجاب الذي تحدّث عن «مجزرة ارتكبتها قوّات النظام السوري والقوّات الجويّة الروسية في منطقة أبو الضهور بمحافظة إدلب قبل دقائق من المؤتمر الصحفي (الذي عقده عبر الهاتف)». وليس من الواضح بعد ما إذا كان التّناقض في المواقف الصادرة عن «مسؤولي الهيئة» ناجماً عن حالة من عدم الانسجام بين أبناء «البيت» الواحد بالفعل، أو أنّه نوعٌ من «التّكتيك» بغية الحصول على مكاسب معيّنة قبل انطلاق المحادثات، ما يعكسُ بالتّالي مستوىً «رفيعاً» من التّناغم يهدفُ إلى الظهور في «مظهر الرّاغب في الانخراط في المحادثات لولا أن الطّرف الآخر يقوّض مقوّماتها». وتجدر الإشارة في هذا السّياق إلى التزام حجاب ونعسان آغا تكرارَ الحديث عن «أولوية تشكيل هيئة الحكم الانتقالي»، مع تشديد حجاب على وجوب «مغادرة (الرئيس السوري) بشار الأسد في بداية العملية الانتقالية».

القوات السّورية ملتزمةٌ الاتفاق مع من التزمَه

وتأتي هذه الضبابيّة في موقف «الهيئة» من محادثات جنيف لتُكمل تشويشاً عكسته خلال اليومين الماضيين التصريحات الصادرة عن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا في شأن موعد المحادثات، قبل أن تؤكّد تقارير إعلاميّة أمس تلقّي الحكومة السوريّة دعوةً للذهاب إلى جنيف في الرّابع عشر من الشهر الجاري، من دون إعلان دمشق موافقتها الرسمية بعد. ومن شأن استمرار الأخذ والرّد مع اقتراب الموعد المذكور أن يزيد علامات الاستفهام حول النتائج المتوخّاة، والمخاوف من تكرار صورة الجولة السابقة، حيثُ سعى فريق دي ميستورا إلى إنقاذ الجولة ولو انعقدت من أجل الانعقاد فحسب.

ومشهد «الهدنة» مشوّش

مشهد المجموعات المسلّحة لا يبدو أفضل حالاً في شأن التعامل مع «اتفاق وقف الأعمال القتاليّة». ففيما تتزايد المعلوماتُ عن انضمام مجموعات جديدة إلى الاتفاق السّاري من دون الإفصاح عن أسمائها، تواصل المواقف المُعلنة عن معظم المجموعات تبادل الاتهامات وتخوين المنضمّين إلى الاتفاق. ويعزو مصدر أمنيّ سوري كبير هذا التّناقض إلى «انعدام الثقة بين المسلّحين أنفسهم». ويقول المصدر لـ«الأخبار» إنّ «الجواب اليقين موجودٌ في الميدان، لا نعتقد أنّ أحداً لم يلاحظ انحسار رقعة المعارك وتوقّفها على كثير من الجبهات. إذا كان الجميعُ رافضين للهُدنة فكيف يحصل ذلك؟». في الوقت نفسه أكّد المصدر أنّ «القوات السّورية ملتزمةٌ الاتفاق مع من التزمَه»، ووضع الحديثَ عن تكرار الخروقات الحكوميّة للاتفاق في خانة «التشويش الإعلامي». كلامٌ يتطابقُ مع تصريحاتٍ روسيّة صدرت أمس عن نائب وزير الخارجيّة الرّوسي ميخائيل بوغدانوف الذي أكّد من طهران أنّ اتهام بلاده بخرق الهدنة هو «جزء من حرب إعلامية جارية، وهناك قوى غير معنية بنجاح التسوية السياسية في سوريا، وترغب في استمرار الحرب». وبدا لافتاً أنّ التضارب في الأنباء عن معظم ما يخصّ «اتفاق وقف الأعمال القتاليّة» قد انسحب أمس على عدد المجموعات المسلّحة المنضمّة إلى الاتفاق. وفيما كانت «الهيئة العليا للتّفاوض» قد أعلنت أواخر الشّهر الماضي أنّ «عدد الفصائل التي وافقت على الهدنة قد ناهز المئة (97 على وجه التّحديد)»، أكد مركز التنسيق الرّوسي في قاعدة حميميم، أمس أنّ «عدد الجماعات المسلحة التي أعلنت التزامها الهدنة في سوريا وصل إلى 35». وأضاف المركز في بيان له أنّ «الاتصالات لا تزال مستمرة مع قادة 4 جماعات مسلحة ناشطة في محافظات دمشق ودرعا وحماه».

«جبهة النصرة»: طريقٌ واضح

وبعيداً عن «الهدنة» واصلت «جبهة النصرة» السعي إلى تحقيق أهدافها المُعلنة من دون مواربة، وهي أهدافٌ سبق لزعيمها أبو محمّد الجولاني قبل أيام من دخول الاتفاق (الذي استثنى جبهته) حيّز التطبيق أن لخّصها بـ«تشديد الهجمات على كل الجبهات». «النصرة» شنّت أمس هجوماً جديداً على مناطق في ريف حلب الجنوبي، بمؤازرةٍ من تنظيم «جند الأقصى»، وأفلحَ المهاجمون في تحقيق اختراقات في محيط قرية العيس الاستراتيجيّة. مصدرٌ من «النّصرة» أكّد أنّ «هذا التقدّم لن يكون مؤقّتاً، بل هي بدايةٌ لإعادة الأمور إلى نصابها بإذن الله». وقال المصدر لـ«الأخبار» إنّ «المشهد سيُعاد بصورة معكوسة في الأيّام القليلة القادمة، كما كان ريف حلب الجنوبي بدايةً لتقدّمهم (في إشارة إلى الجيش السوري وحلفائه) سيكونُ بدايةً لاندحارهم على معظم جبهات حلب». في المقابل، قال مصدر ميدانيّ سوري إنّ «الاختراق محدودٌ ومؤقّت». المصدر أكّد لـ«الأخبار» أنّ «التّعامل جارٍ مع إرهابيّي النصرة وحلفائهم في المنطقة، ولن يتجاوز الأمر نطاقَه».