تونس | ينبئ المشهد السياسي التونسي اليوم بأن البلاد قد تعرف عدة سيناريوات سياسية، بإمكانها أن تشكّل ملامح ما بقي من المرحلة الانتقالية الثانية التي عرفت فيها تونس لأول مرة تجربة حكم الإسلام السياسي. تجربة تميزت بتراجع جميع مؤشرات البلاد، في وقت طالت فيه هذه الفترة من دون موجب بعد أن أضحى الصراع الفكري والإيديولوجي هو الهاجس الأكبر.

فتونس اليوم تعرف اصطفاف 4 كتل سياسية تؤثر في المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلد: أولاً، تكتل المجتمع المدني وينضوي ضمنه الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الأعراف والمنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. ثانياً، تكتل ليبرالي ويضم في الأساس الاتحاد من أجل تونس. ثالثاً تكتل يساري يمثله بامتياز الجبهة الشعبية.
ورابعاً، تكتل إسلامي تقف على رأسه حركة النهضة (ومعها بعض ما تبقى من حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات) التي تبقى المؤثر الأول في تيار الإسلام السياسي.
ففيما اتجه التكتل الثاني والثالث نحو إسقاط ثاني حكومة للإسلاميين وإسقاط المجلس التأسيسي وإعادة خلط الأوراق السياسية بالذهاب نحو حل راديكالي وهو حكومة إنقاذ وطني وحل المجلس التأسيسي، عبّر التكتل الأول عن موقف آخر يقضي بحل الحكومة والاتجاه نحو إقرار حوار وطني يلعب فيه دور الوساطة بين المعسكرين، فيما ذهب التكتل الأخير وبعض من لفّ لفّه نحو ضرورة التشبث بالشرعية التي جاءت بها انتخابات المجلس التأسيسي، وهي شرعية أبرزت خلافاً انفجر أخيراً في الشارع في شكل اعتصامات، بعد أن أفرزت هذه المرحلة فشلاً على كل المستويات كان عنوانها الأبرز: اغتيالان سياسيان، و 8 قتلى من جنود الجيش الوطني التونسي في جبل الشعانبي.
ورغم تشابه المشهد السياسي في تونس بعد اغتيال البراهمي بالمشهد السياسي المصري قبل سقوط الرئيس محمد مرسي، يبقى الاختلاف منحصراً في الموقف المحايد لمؤسسة الجيش، في وقت يلف فيه التجاذب مؤسسة الأمن بين عقيدتين أمنيتين هما عقيدة الاستئمار بالأوامر، وعقيدة الأمن الجمهوري التي تتحرك بالقانون.
في ظل هذه المعطيات، فإن تونس الآن قد تعرف عدة سيناريوات سياسية، قد تذهب بالبلاد إلى برّ الأمان، كما أنها يمكن أن تبقيها غريقة محيط من المغالطات الإيديولوجية والفكرية، وتتعدى بها إلى مرحلة ما بعد «التدافع الاجتماعي» التي غرقت فيها البلاد منذ صعود حركة الغنوشي إلى السلطة. مرحلة قد تشهد فيها البلاد اقتتالاً داخلياً على شاكلة ما عرفه لبنان أو الصومال (لا الجزائر).
ولعل السيناريو الأول المطروح يبقى منحصراً في الأداء الذي سيقوم به تكتل جمعيات المجتمع المدني، وخاصة اتحاد الشغل الذي يقوم الآن بدور الوساطة بين الأفرقاء. وقد منح الحزب الحاكم أسبوعاً لحل الأزمة السياسية وفق توافق واضح مع ما أتت به جبهة الإنقاذ الوطني والذي يبدو أنه لن يجدي نفعاً مع التشدد الذي تطرحه حركة النهضة في تناول التحديات السياسية.
إن هذا الاتجاه سيؤدي إلى زيادة الاستقطاب والتجاذب بين دفتي المشهد السياسي التونسي، خاصة أن جهود الحل السياسي لن تتمكن من لمّ الشمل مع التباعد الموجود بين جميع أطراف المشهد السياسي الذي أضحى يتميز بالراديكالية، في وقت لن تأتي فيه حكومة الوحدة الوطنية بالجديد مع عدم التزام «ترويكا النهضة» بروزنامة زمنية لكتابة الدستور وإنجاز الانتخابات.
ففي الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد إلى الوساطة التي حدد مدتها بأسبوع للتشاور، فإنه يمكنه الذهاب إلى التوجه نحو إقرار إضرابات عامة في كافة المجالات يمكن أن تشل الحكومة والبلاد، وهو سيناريو قد يطيح الحكومة ويدفع الجميع إلى إعادة خلط الأوراق من جديد، وهو ما قد يشكل لبنة أولى لتدخل مؤسسة الجيش والأمن لإعادة توزيع الأوراق، خاصة أن البلاد تقف على شفا جرف هار اقتصادياً، فيما يد الإرهاب تصل إلى قلب العاصمة التونسية.
أما السيناريو الثاني المطروح يبقى الآن مرهوناً بالاقتراب في وجهة النظر بين عدة أطراف، منها التفاهم على شكل الحكم القادم الذي سقط منذ مقتل شكري بلعيد وسقوط حكومة حمادي الجبالي الذي طالب بحكومة تكنوقراط عجلت في سقوطه من السلطة وتعويضه بالعريض، وهو خيار لن توافق عليه المعارضة اليوم خاصة بعد استشهاد محمد البراهمي ودخول الجيش في اشتباكات عنيفة في المناطق الحدودية مع الجزائر، ومع عدم الالتزام بضبط روزنامة زمنية لإكمال الدستور وإيجاد حلول للمعضلة الاقتصادية التونسية وفق الصيغ التي جاءت الحوارات السياسية الماضية (مبادرة الحوار الوطني لاتحاد الشغل ورئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس التأسيسي) والتي أسقطتها حركة النهضة بعدم الالتزام بها في البيان الختامي للحوار الوطني الذي سقط مع النرجسية السياسية التي تمارس بها «ترويكا النهضة» للحكم.
يبقى في الأخير انتظار أن يضطلع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعتبر في حالة وفاق مع منظمة الأعراف، بالقيام بما قام به الجيش في مصر إذا واصلت النهضة تشبثها بطرحها في التشبث بالسلطة وبشرعية المجلس التأسيسي في فترة انتقالية طالت أكثر من اللزوم ولم تنتج إلا إرهاباً، وتباعداً يكبر يوماً بعد يوم في الشارع التونسي.




المبادرات لا تطرح حلاً للأزمة

المتابع للشأن التونسي قد يكتشف أن المبادرات المطروحة تبقى متباعدة من حيث الوصول إلى حل سياسي للأزمة. ففي الوقت الذي بدأ فيه البعض يضرب على وتر إطاحة حكومة علي العريض، مقابل الالتزام بسلطة المجلس التأسيسي، ذهب البعض الآخر إلى ضرورة الالتزام بما طرحته جبهة الإنقاذ، وهي حل السلطتين (الحكومة والمجلس التأسيسي) واختيار مجلس تنفيذي يقوم بسلطة الحكومة مع اختيار إحدى الشخصيات الوطنية المستقلة لرئاسة البلاد (طُرح أمس اسم مصطفى الفيلالي كشخصية ترأس البلاد).
في الوقت نفسه، تكتب لجنة تتكون من خبراء في القانون الدستوري دستوراً يطرح للاستفتاء الشعبي (اعتمد الجنرال ديغول المنهج نفسه بعد إسقاط حكومة فيشي في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية).
لكن سرعان ما اصطدم هذا النهج بمعارضة «النهضة»، وخاصة جناحها المتشدد. ففي الوقت الذي عبّر فيه العديدون المحسوبون على جناحها المعتدل عن أن حكومة الإنقاذ الوطني يمكن أن تكون حاضرة في صيغة حكومة وحدة وطنية، خرج الغنوشي أمس ليقول إنه لا بديل عن العريض كرئيس للحكومة.