سيناء | في السادس من آب الماضي تمت تصفية وحدة «الحرية» العسكرية بكامل قوتها بالقرب من مدينة رفح الحدودية. قُتل 16 جندياً أثناء تناولهم الإفطار عقب غروب شمس نهار رمضاني حار، من دون أن تطلق من بنادقهم رصاصة مقاومة واحدة ضد المعتدين. جريمة تشي بالمستوى المهني والتدريبي الذي وصلت إليه القوات النظامية في سيناء، وهو مستوى الكفاءة ذاته الذي أودى بحياة 25 جندياً منذ يومين، تم اقتيادهم من حافلتين وايقافهم على خط مستقيم مكبلي الأيادي لتخترق الرصاصات ظهورهم وتخرج من صدورهم الملتصقة بالأرض.

أسئلة كثيرة حملتها الحادثة، التي وقعت على مسافة كيلومتر واحد من أقرب نقطة تفتيش على طريق (العريش – رفح) الساحلي الدولي، خاصة وأن الطريق ذاته قد شهد واقعة اختطاف سبعة جنود منذ ثلاثة أشهر.
مصدر عسكري أبدى استغرابه لـ«الأخبار» من نقل هذا العدد الكبير من الجنود من دون تأمين كاف، أو من دون تأمين من الأساس.
أما شهود العيان فتحدثوا عن مبيت الجنود في موقف السيارات في مدينة العريش أثناء حظر التجوال، ثم تحركهم عقب انتهاء الحظر الساعة السادسة صباحاً في حافلتي ركاب تم توقيفهما وإنزال الجنود منهما والسماح للسائقيْن أن يذهبوا بهما قبل أن تبدأ المجزرة.
يواصل المصدر العسكري تساؤلاته حول الإفشاء عن خط سير الجنود وتوقيته الذي يفترض أن يكون سرياً، وعما إذا كان تم تسريبه أو اختراق صفوف الجيش معلوماتياً. لكن أسئلة من هذا القبيل لا تجد إجابات وقد مرت سنة كاملة على موقعة وحدة «الحرية» من دون توجيه أي اتهام رسمي لأي طرف داخلي أو خارجي بتدبيرها أو الضلوع فيها، فضلاً عن محاكمة المتهمين وإدانتهم.
فور الإعلان عن المذبحة، نشرت جماعة «أنصار بيت المقدس» السلفية الجهادية مقطعاً من الفيديو تزعم فيه أنها المسؤولة عن الوساطة الناجحة في الإفراج عن الجنود السبعة الذين اختطفوا وأفرج عنهم في أيار الماضي.
يُظهِر التسجيل الجنود السبعة محرري الأيادي وفي حالة صحية جيدة، ويتحدث أحدهم موجهاً الشكر لـ «أنصار بيت المقدس» على «حسن المعاملة».
في اليوم ذاته تلقى الوافدون من وادي النيل من سكان رفح تحذيراً بجلائهم عن المدينة في غضون ثلاثة أيام، وتحميلهم مسؤولية سلامتهم الشخصية إذا لم يغادروا. مما دفع القدامى منهم والمتعاونين مع الاستخبارات العسكرية والعامة منذ تحرير سيناء عام 1982 إلى طلب تأمين الجيش لمنازلهم، أو حتى تأمين خروجهم من رفح إلى العريش ومنها إلى غرب قناة السويس. لكن أياً من هذين الطلبين لم تتم الاستجابة له.
من جهتها، اتصلت «الأخبار» بإحدى الأسر النازحة من رفح، والتي تعاون ربها مع الأجهزة الاستخبارية المصرية طيلة ثلاثة عقود، حيث أكدوا أنهم لم يتمكنوا من الخروج سوى بمساعدة أصدقاء لهم من إحدى العائلات البدوية التي طالما اتهمت بالنقائص والخروج على القانون.
اتضح عجز الجيش عن تأمين إجلاء الوافدين من رفح حين طاولت قذائف الـ«آر بي جي» محيط مبنى الاستخبارات العسكرية في مدينة العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، لأول مرة منذ إنشائه. وهو التصعيد النوعي الذي انتقل من مهاجمة مقار الشرطة ومعسكراتها إلى الجهاز الذي يدار حُكْم سيناء فعلياً منه، وفق جزم أهالي سيناء. ورغم عدم وقوع خسائر في هذا الهجوم، إلا أن استهداف مقر عسكري محصّن يحمل دلالة مهمة على التصعيد القتالي من قبل المهاجمين، سواء من حيث طبيعة الأهداف أو حجم الاستعداد والتسليح ونوعه.