غزّة | في كل أزمةٍ تعصف ببلدٍ عربي، تضطر غزّة الى أن تكون كبش الفداء والحلقة الأضعف. وكلّما تأزمت الأحداث في مصر، اشتدّ الخناق عليها، وخصوصاً في ظل الاتهامات التي يسوقها النظام الجديد في مصر، عبر إعلامه وتسريباته العسكرية، ضدّها حول تورطها في تدبير الفوضى وإيواء قيادات هاربة. واستحكم الحاكم المصري بمصيرها من خلال بوابةٍ خارجية واحدة نحو العالم، هي بمثابة خطٍ فاصل بين الحياة والموت. هذه البوابة تقف سدّاً منيعاً بوجه أكثر من مليون ونصف مليون شخص في القطاع.

بعد عزل الرئيس محمد مرسي، ساق الجيش المصري آلاف المبررات لإحكام السيطرة على معبر رفح البري، فما أن يفتحه ساعاتٍ معدودة حتى يعاود إغلاقه لفترات طويلة تحت عنوان «إغلاقٌ حتى إشعار آخر»، كما أُعلن أول من أمس بحجة التوترات الأمنية التي شهدتها منطقة شمال سيناء، بعد مقتل 27 شرطياً. إن أغلب البسطاء القاطنين في غزة لا يهمهم سقوط «الإخوان» من الحكم في مصر من عدمه؛ فكلّ ما يسيطر على تفكيرهم الشعور بأنهم لا يزالون على قيد الحياة. ولسان حالهم يقول دوماً: «نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً.. لا تجعلونا على خطوةٍ واحدة من القبور».
على بوابة معبر رفح، تقف يد امرأة عجوز تتحسس خدّها الأيمن وعلامات التعب لا تفارق وجهها، بعدما ضجر الانتظار منها. طوابير المنتظرين للسفر تطول ولا تنتهي، فيما حقائبهم مكدّسة لا تبرح مكانها، وأطفالهم يسرقهم النعاس تحت أشعة الشمس الحارقة، ومرضاهم يقاومون وجع السرطان والقلب والفشل الكلوي بقدر تشبّثهم بغزة. الحاجة أم خالد اسليم التي تجاوزت الستين من العمر وتئن من شدّة الألم، أجبرتها ظروف المعبر اللاإنسانية على ملازمته لليوم الرابع على التوالي، على أمل أن تتعافى قليلاً إن سنحت لها السلطات المصرية باجتياز الحدود لتلقّي جرعتها من العلاج في أحد المستشفيات المصرية. تقول لـ«الأخبار»، وهي تتأبط كيس أدويتها: «والله يا بنتي مش راضيين يدخلوني، وأنا مريضة بشيلوني شيل وبتعكز عالعصاية، وفلوسنا عدها خلصت، والله صرنا نتدين من هان ومن هان عشان نقدر نطلع»، متسائلةً: «نفسي أعرف ليش مصر بتعاقب كل أهل غزة، وبتعتبرهم «حماس» وتابعين لمرسي، والله احنا ما إلنا دخل، واليوم مش حنروح من المعبر حنضل نايمين فيه».
الحاجة إسليم ليست وحدها من تتذمّر من التعامل المصري المذّل والمهين عند معبر رفح، فديما أبو حمدة، طالبة فلسطينية تدرس طب الأسنان في القصر العيني بالقاهرة، تضطر إلى تحمّل ثمن المواصلات من مدينة غزة حتى معبر رفح بشكل شبه يومي في ظل نقص الوقود، كي تلحق بركب زملائها في الجامعة ولا تتأخر عن محاضراتها وامتحاناتها الجامعية. تعيش أبو حمدة حالة نفسية مزعجة، خشيةً من ضياع العالم الدراسي كاملاً عليها لو بقي المعبر على حاله.
أما رب الأسرة المهندس عادل غنام فيصرّ على حجز مقعده وعدم تركه بالمطلق في إحدى الحافلات، التي من المفترض أن تغادر أراضي القطاع لو فُتحت البوابة المصرية، وفكره ينشغل في مكان عمله في أبو ظبي، يقول لـ«الأخبار»: «موعد طائرتي كان في تمام الساعة الحادية عشرة من مساء أمس، ومن المفترض أن أكون على رأس عملي اليوم، لكن إغلاق المعبر حال دون ذلك»، معرباً عن مروره بلحظات كآبة عميقة لخوفه من فقدان مصدر رزقه الوحيد واستبداله بشخص آخر من قبل صاحب العمل. كما نهب معبر رفح جيوب الفلسطينيين بشكل غير مباشر، فالمواطنة ابتسام أبو ندى خسرت تذكرة سفرها للمرة الثالثة على التوالي، تقول: «إحنا عالمعبر بننطحن طحن زي كيس البندورة، وكل يوم بنضطر ندفع 200 شيكل، وهلقيت بطلنا عارفين من وين نجيب الفلوس، مطلوب من مصر تعوضنا عن كل هالخسارة، ونفسي أفهم ليش معبرنا بس اللي بيتسكر، وحدود مصر مع السودان وليبيا بتضل مفتوحة، إحنا مش كاينين بشر مثلاً؟»
لم يغادر قطاع غزة خلال الأيام الماضية سوى 59 مسافراً، بعدما حسم الجيش المصري أمره باستخدام القبضة الحديدية مع مناصري مرسي. أما عن معاناة سكان المناطق المتاخمة للحدود المصرية الفلسطينية، فحدِّث ولا حرج. ما أن يخيم الظلام على مدينة رفح الفلسطينية، حتى تسارع المواطنة أم عبد الله الهمص، القاطنة في مخيم يبنا بالمدينة، إلى ضم ابنها عبد الله إلى صدرها وإسماعه أغنية «يلّا تنام»، علّه ينسى أصوات الانفجارات والاشتباكات المرتفعة في الساحة السيناوية، والتي لا تتوقف بالمطلق على مدار الليل. تقول لـ«الأخبار»: «قبل أيام قليلة، اضطر عناصر الأمن الوطني إلى إخلاء مواقعهم على الحدود، بعدما سقطت قذيفة «آر بي جي» بالقرب من البيوت الفلسطينية الحدودية، والتي أوقعت بعض الخسائر المادية هناك».