أحصت مصادر طبية وأمنية حصيلة ضحايا الأمن والمدنيين في شمال سيناء خلال الأسبوع الماضي بنحو 13 ضابطاً وجندياً، ومدني واحد كان يعمل في «إسعاف العريش» إلى جانب 20 إصابة بالغة، نتيجة حوادث وقعت في خلال أربعة أيام فقط في مناطق جنوب العريش والشيخ زويد ورفح، يضاف إليهم جنديان قتلا يوم أمس بعبوة ناسفة جنوب الشيخ زويد.
هذه الأرقام دعت ضابطاً برتبة ملازم أول في الجيش إلى الحديث بحرقة عن «العيش في محرقة شديدة في سيناء»، قائلاً إن «القيادات تدفع بالضباط الصغار والأفراد إلى جحيم الحرب من دون وضع خطط أمنية جديدة للسيطرة على الوضع الميداني الذي بات خطراً للغاية».
وفي الشهور التي سبقت شباط الماضي، كان يمكن توصيف الحالة الأمنية شمال سيناء بنوع من السيطرة للجيش بعد توجيه ضربات قوية إلى تنظيم «ولاية سيناء»، لكن الأخير غيّر طرق عمله وأعاد حالة الكرّ والفرّ واصطياد الجنود في الكمائن وسلسلة الاغتيالات.
ففي بداية الأسبوع، وخلال يوم واحد، سقط ثمانية بين قتيل وجريح، منهم ضابطان وستة مجندين، ثم خلال يومين ونتيجة ثلاث هجمات متتالية قتل ضابط وثلاثة جنود على حاجز أمني غرب العريش. وصباح اليوم التالي، استهدف مسلحون بعبوة ناسفة قوة راجلة أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود ومسعف في منطقة الشدايدة جنوب الشيخ زويد، وبعد ثلاث ساعات، أطلق صاروخ على سيارة عسكرية في الشيخ زويد قتل أربعة من الشرطة.

قتل المسلحون مسعفاً بدعوى أنه أسعف جنود الجيش

وبالذهاب إلى رواية المتحدث العسكري، فإن الجيش يقرّ بين يوم وآخر بمقتل اثنين أو ثلاثة، لكنه في المقابل يضع أرقاماً أكبر لقتلى «ولاية سيناء». مثلاً، تحدث الجيش عن ضبط 27 مسلحاً ومقتل 15 فجر الاثنين الماضي، لكن الأهالي عثروا في وقت متزامن على جثث لخمسة من المواطنين سبق إلقاء القبض عليهم؛ من بينهم شاب أصم وأبكم، وطالب عمره 16 سنة، ملقاة في منطقة صحراوية في الشيخ زويد!
ولجهة التكتيك، فإن الوضع الميداني خلال الأسبوع الجاري يظهر استعادة «ولاية سيناء» زمام الأمور وإخفاق الجيش في السيطرة على الميدان داخل مثلث الحرب الذي يضم في قاعدتيه مدينتي الشيخ زويد ورفح، ورأسه العريش، التي باتت في مرمى عمليات «الولاية».
في المقابل، اعتمدت الخطة الجديدة التي وضعها الجيش أخيراً على الحد من حركة الناقلات والمدرعات وتسيير الدوريات الراجلة في مناطق ميدانية خلال المداهمات، لكن هذا جعل القوات صيداً سهلاً لعناصر «داعش»، الذين باتوا يعملون على قنص الجنود واستهدافهم بواسطة عبوات ناسفة تزرع في طرق سيرهم.
وبينما كان المتحدث العسكري يؤكد أن مجريات العمل الميداني ستركز على منطقة شرق العريش (تضم الشيخ زويد ورفح)، انسحب المسلحون إلى غرب العريش وجنوبه، لكن الواقع كان مغايراً تماماً، حينما صار الجيش بين فكّي المسلحين شرقاً وغرباً.
من ناحية ثانية، كان لافتاً التفجير الذي استهدف حاجزاً أمنياً في الشدايدة، جنوب الشيخ زويد. فخلال نقل المصابين بسيارة إسعاف، اعترض كمين للمسلحين طريق السيارة وأجهزوا بالرصاص على المجندين المصابين حتى لفظا أنفاسهما الأخيرة، ثم قتلوا المسعف المرافق لهما باعتبار أنه لم يستجب لتحذيرات سابقة بعدم توجه الإسعاف إلى مواقع التفجيرات، ليكون أول قتيل من «مرفق الإسعاف» بعد إصابة ثلاثة آخرين خلال استهداف سيارتي إسعاف في حوادث سابقة في رفح والشيخ زويد.
برغم ذلك، يصرّ الأهالي ومصادر قبلية على تواصل «العمليات الانتقامية» التي ينفذها الجيش باستهداف مواطنين أبرياء أو اعتقالهم ثم تصفيتهم وإلقاء جثثهم في مناطق صحراوية، وخاصة قرب الطريق الدولية بين رفح والعريش، إلى جانب حرق الدراجات النارية التي يستخدمها الأهالي إن كانت تحمل ترخيصاً من إدارة المرور أو لا.
ويذكر الأهالي أنه جرى اعتقال خمسة مواطنين من منازلهم في الشيخ زويد واقتيادهم إلى «معسكر الزهور الأمني»، قبل أن يجدوا جثثهم ملقاة في منطقة صحراوية. كما يشيرون إلى أن قوة من الجيش أعدمت الشاب خلف أبو جمعة (24 عاماً) بعد اعتقاله بنحو ثلاث ساعات واحتجازه في كمين «المقطف» على طريق القسيمة وسط سيناء، إضافة إلى اعتقال ستة أشخاص من منطقة المنبطح وسط سيناء، أُعدم منهم طفلان هما جمال سليم الغول (13 عاماً) ومحمد شتيوي الغول (15 عاماً)، وقد وجدت جثتاهما بالقرب من منطقة بئر بدا، فيما لم يعرف مصير الأربعة الآخرين.
إلى ذلك، طالب النائب في البرلمان، أيمن مسعود، بتهجير أهالي سيناء تحت دعوى إتاحة الفرصة لقوات الجيش للقضاء على الإرهاب، وهي الدعوة التي رد عليها نائبا شمال سيناء، حسام رفاعي وسلامة الرقيعي، بالرفض والاستنكار، داعيين لجنة من البرلمان إلى زيارة شمال سيناء والوقوف على معاناة المواطنين جراء الحظر المفروض على ثلاث مدن رئيسية وانعدام خدمات المياه والكهرباء والطرق في مناطق شرق العريش وجنوبه.