أجمع المحللون في إسرائيل على أن الانتفاضة معركة لا يمكن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الانتصار فيها أو حتى الحصول على صورة نصر، فيما يعود هذا التشاؤم في التقدير إلى خلفية أن الطرف المقابل ليس تنظيماً أو جيشاً، بل انتفاضة شعبية غير منظمة، لا تربط بين أفرادها هيكلية تراتبية. وعلى خلفية إدراك رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، أنّ الإسرائيليين القلقين ينتظرون سماع أخبار عن إجراءات حاسمة، سارع مع حكومته إلى إعلان سلسلة تدابير مثل إغلاق ثُغَر في السياج الأمني المحيط بالقدس المحتلة، وبناء سياج أمني جديد في منطقة ترقوميا (قضاء الخليل)، وحرمان العمال الفلسطينيين تصاريح العمل، وإغلاق قنوات تلفزيونية فلسطينية. وكجزء من تكتيك توزيع الأدوار، أطلق نتنياهو العنان لوزرائه الذين جالوا تهديداً ووعيداً بهدف احتواء الغضب الشعبي الإسرائيلي.

ووفق بيان صادر عن ديوان رئيس حكومة العدو، تقرر تسريع إجراءات سن قانون يقضي بمعاقبة كل من ينقل أو يوفر مبيتاً لفلسطينيين يقيمون في إسرائيل بصورة غير مشروعة. وذكر البيان أن هذه الخطوات ستتخذ بموازاة النشاطات التي تنفذها قوات الأمن الإسرائيلية بالعادة، وفي مقدمها فرض طوق أمني على القرى الفلسطينية التي يخرج منها منفذو العمليات. ولفت كذلك إلى أن من شارك في المشاورات التي صدرت عنها هذه القرارات، هم وزير الأمن موشيه يعلون، ووزير الأمن الداخلي غلعاد اردان، والقائد العام للشرطة روني ألْشيخ، وممثلون عن الجيش و«الشاباك».
في هذا السياق، وصف يعلون في مقابلة مع القناة الثانية، الأيام التي «يمر بها الشعب الإسرائيلي» بأنها «غير سهلة» نتيجة العمليات هذه، قائلاً إن إسرائيل «لن تسكت» عن ذلك، ولكنه أقرّ بأنه لا يوجد «حلول فورية وسحرية». وأضاف: «الجيش الإسرائيلي والشرطة منتشرون جيداً، والحقيقة هي أن معظم الحوادث انتهت سريعاً بإصابة منفذي العمليات... هكذا يجب أن يكون الوضع».
في المقابل، رأى رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، افيغدور ليبرمان، أن العمليات الأخيرة هي «نتيجة مباشرة لسياسات الاحتواء التي يتبعها نتنياهو ويعلون». وأضاف ليبرمان أن «رئيس الوزراء فشل في الأمن»، متهماً إياه بأنه «يتحدث كثيراً عن محاربة الإرهاب... لكني أقول إنه فشل تماماً في كل ما يتعلق بمكافحة الإرهاب».

طرح أكثر من مسؤول إعادة دراسة فكرة إبعاد عائلات الشهداء

على خطٍ موازٍ، تعهد وزير النقل والاستخبارات، يسرائيل كاتس، بطرح «مشروع قانون على طاولة الكنيست يسمح بطرد أسر الإرهابيين إلى سوريا أو غزة، كوسيلة فعّالة رادعة ضدّ إرهاب الأفراد». وكان وزير الزراعة الإسرائيلي، أوري أريئيل، قد اقترح «إيقاف حركة الفلسطينيين في الشوارع المؤدية إلى مفترق جوش عتصيون» في الضفة المحتلة. كذلك دعا نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، الذي يزور فلسطين المحتلة الآن، إلى زيارة جرحى العمليات فيها.
وشارك في هذه الموجة من التصريحات، أيضاً، زعيم المعارضة، إسحاق هرتسوغ، الذي قال إن «إسرائيل تواجه انتفاضة ثالثة منذ مدة... ما لم ننفصل عن الفلسطينيين فسيستمر قتل اليهود».
أما على مستوى العلاقات بين العمليات، فشرح القائد العام للشرطة، روني ألشيخ، أن لا علاقة بين العمليات التي وقعت في يافا والقدس وبيتاح تكفا، مشدداً على أن ما يجري بمبادرات فردية. ولفت ألشيخ إلى أن منفذي العمليات كانوا يقيمون في إسرائيل من دون أن تكون بحيازتهم التصاريح اللازمة، مشدداً على أن الشرطة تنشر قوات معززة في المدن لردع «إرهابيين» يهمون بارتكاب «اعتداءات».
برغم ذلك، ترك اليومان الماضيان أصداءً كبيرة وسط زخم العمليات في الداخل الإسرائيلي، فقد رأى رئيس «مجلس الأمن القومي» السابق اللواء يعقوب عميدرور، أن الإجابة الوحيدة الموجودة حالياً ضد موجة «الإرهاب» الحالية مركبة من جزءين، محاولة زيادة الردع... «لكن فكرت قبل قليل في أنه لا يوجد لدينا أدوات أخرى لزيادة الردع. أعتقد الآن أنه في ضوء استمرار الموجة، يجب أن ندرس بجدية مسألة إبعاد عائلات المخربين القتلة إلى غزة».
في غضون ذلك، قال المعلق العسكري في موقع «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، إنه في الانتفاضة الحالية وعلى عكس الانتفاضتين السابقتين، لا توجد استخبارات، ولا يوجد ردع ولا يوجد أهداف لنشاطات عسكرية هجومية. وأكد أن غياب الردع يعود إلى أن وسائله قد استُخدمَت، بما فيها «القبضة الحديدية» التي يقترحها ليبرمان، مضيفاً: «هذه الأساليب استُنزفت ولم تعد ناجعة». ودعا بن يشاي، الإسرائيليين، إلى الاعتراف بالعجز أمام هذه الانتفاضة، لافتاً إلى أنه من دون الشعور بأمن شخصي معقول، لمدة زمنية طويلة، «لا يمكن إدارة شؤون الحياة كما هو معتاد»، ثم حذر من إمكانية تحول الانتفاضة إلى انتفاضة شعبية مسلحة يشارك فيها التنظيم التابع لحركة «فتح».
وهو تقريباً ما ذهب إليه المعلق العسكري في القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي، ألون بن ديفيد، الذي أقر بأن الأجهزة الأمنية عاجزة، وموجة العمليات لا تسير نحو التراجع وإنما نحو التصعيد. وقدر بن ديفيد أن احتمال استمرار الموجة الحالية أكبر من إمكانية تراجعها، وبرر ذلك بأن العمليات التي تجري ليس على خلفية الإحباط الفلسطيني في مقابل إسرائيل، بل هي جزء من الأجواء الإقليمية... «لذا لن تصبح هذه العمليات خلفنا، بل سترافقنا».
في المقابل، قال المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، إنه برغم «اللهجة التصعيدية، ليس لإسرائيل استراتيجية قابلة للتحقق في الضفة، ولا رغبة حقيقية في التصادم مع محمود عباس الذي يقترب أصلاً إلى نهاية سلطته». وفيما رأى هرئيل أنه تكفي سلسلة عمليات متزامنة، اثنتان منها داخل «الخط الأخضر»، لضعضعة الأمن الشخصي، أكد أن هذا التزامن عرضي وليس أمراً مخططاً له، وأن ارتفاع وتراجع عدد العمليات، دون وجود منطق محدد لذلك، يعكس «الطابع المشرذم وغير المخطط للصراع على شكله الحالي». ورفض هرئيل محاولة الحكومة إعطاء طابع «داعشي» للعمليات، لافتاً إلى أن هذا الوصف لأن الهجمات ليست فقط غير منسقة، بل حجمها متواضع بالمقارنة مع ما يفعله «داعش» في المنطقة.
كذلك، رأى المعلق في صحيفة «معاريف»، يوسي ميلمان، أن «الفرصة الوحيدة من أجل تقليص حجم هذه الظاهرة، خطوة سياسية أو مبادرة جدية، تدل على حسن نية من جانب إسرائيل. وهذا ما يقترحه ضمناً المستوى العملياتي الشاباك والجيش، ولكن التوصيات والاقتراحات لا تلاقي آذاناً صاغية لدى رئيس الحكومة ووزرائه، فهم يشعرون بالثقة لأنهم لا يتعرضون لضغط شعبي من أجل العمل على تغيير الواقع».