أعاد الهجوم الأخير الذي استهدف مدينة بن قردان التونسية، طرح أسئلة أكثر جدية عن مدى تأثير انعدام الاستقرار في ليبيا على الدول المحيطة بها، خصوصاً في ظل إخفاق الفرقاء الليبيين في مسعاهم لتشكيل حكومة وحدة، وإطلاق عملية سياسية بمقتضى الاتفاق الذي جرى التوصل إليه برعاية الأمم المتحدة.
وتنعكس هذه الظروف بصورة سلبية على تونس، في وقت يبدو فيه واضحاً أنّ القرار السياسي التونسي يعاني من محدودية الإمكانات والدور.

الأزمة الليبية: العقدة داخلية؟


بعد نحو عام ونصف عام من تقلّب مواقف القوى الغربية حيال طبيعة التدخل في ليبيا، يبدو راهناً أنّ من رفع الصوت في مرحلة أولى، بدأ يشترط اليوم لتنفيذ مهمة كهذه طلباً مباشراً من حكومة ليبية شرعية، وهو شرط غير قابل للتحقق حالياً. وعلى سبيل المثال، أكد أمس وزير الخارجية الإيطالي، باولو جنتيلوني، أنّ لتنظيم "داعش" خمسة آلاف مقاتل في ليبيا، وهو رقم أعلى من التوقعات الأخيرة، لكنه أشار في الوقت نفسه بخصوص احتمال تنفيذ عملية ضد التنظيم إلى ضرورة إيجاد الشروط اللازمة. وقال: "نعمل لتلبية طلب أمني محتمل من الحكومة الليبية، لا أكثر ولا أقل، ضمن احترام الدستور، وفقط بعد الحصول على موافقة البرلمان" الإيطالي.

أولوية تونس التهدئة في ليبيا بأي ثمن، لكنها خائفة من تدخل عسكري

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، كان واضحاً حتى وقت قريب أنّ الأولوية هي لتشكيل حكومة ليبية موحدة، بموازاة تنفيذ عمليات عسكرية لمساعدة قوى محلية (نشرت "نيويورك تايمز" تقريراً، أول من أمس، يؤكد هذه الخلاصة).
يقول دبلوماسي دولي على صلة وثيقة بليبيا، إنّ هذا المشهد يعني بالنتيجة أنّ القوى التي طرحت إمكانية التدخل العسكري في بداية الأمر، تبدو اليوم وكأنها "تتنصل" مما سبق لها أن أعلنته. ويرجح الدبلوماسي، خلال حديثه إلى "الأخبار"، أن يقتصر التدخل في المرحلة المقبلة على "عمليات موضعية" على غرار استهداف الطائرات الأميركية تجمعاً لـ"داعش" في مدينة صبراتة (غرب) الشهر الماضي، أو كما حصل حين اعتقلت قوة أميركية "الجهادي"، أبو أنس الليبي، نهاية عام 2013 في العاصمة طرابلس.
ويشير المصدر أيضاً إلى إمكانية "نشر قوات بحرية في المياه الدولية المقابلة لليبيا بغرض تأمينها، ويمكن كذلك تأمين جزء من المياه الإقليمية الليبية"، مؤكداً في الوقت نفسه أنّ مجمل تلك الإجراءات قد لا تحدث تغييراً نوعياً في خريطة انتشار "داعش" في الميدان الليبي.
ويؤدي استمرار غياب حكومة ليبية واحدة إلى تثبيت واقع "الصراع على الشرعية" الذي تعاني منه البلاد. ويعزز هذا الواقع صراع إقليمي شبه خفي، تشكّل تركيا وقطر (نفوذ في غرب ليبيا) الطرفين الأولين فيه، فيما تمثّل مصر والإمارات (نفوذ في الشرق) الطرفين الآخرين. لكنّ الدبلوماسي الدولي يقلل من التأثير السلبي لهذا العامل على الحل الليبي، خصوصاً لاعتقاده أنّه "خلال الفترة الحالية، ليس التنافس القطري ــ الإماراتي في أوجه". جدير بالذكر هنا، أنّ قوة إقليمية وازنة، هي الجزائر، تؤيد حلاً سياسياً للأزمة، خصوصاً أنها "كانت قد رفضت مقترحاً مصرياً (قبل نحو عام)، يقضي بتدخل عسكري للقاهرة في شرق ليبيا، بالتوازي مع تدخل قوات جزائرية في الغرب"، وفق ما يقول لـ"الأخبار" دبلوماسي مصري على دراية بالملف الليبي.
ضمن هذا المشهد، قد تغلب عقدة الأزمة الداخلية على غيرها من العوامل، خصوصاً في ظل تجاهل الحكومة التي كان من الفترض أن تنبثق من "اتفاق الأمم المتحدة"، اللواء خليفة حفتر، الذي تواصل قواته عملياتها العسكرية في "مدن الشرق"، في محاولة منه لكسب النفوذ وتكريس زعامته، وهو لا يزال يلقى دعماً مصرياً وإماراتياً وازناً. وقد رأت مصادر مصرية رسمية، في حديثها إلى "الأخبار" أمس، أنّ حفتر لا يزال "القائد الأبرز القادر على المواجهة العسكرية".
ويضاف إلى التعقيدات الداخلية، أنّ أبرز القوى المسلحة (خصوصاً في الغرب) لم تشارك في صياغة "اتفاق الأمم المتحدة".


أين تقف تونس؟


يرى الباحث التونسي، يوسف شريف، في حديث إلى "الأخبار"، أنّ "أولوية الخارجية التونسية تهدئة الوضع في ليبيا بأي ثمن، لضمان استقرار الاقتصاد، وكذلك تجنب تدهور أمني أكبر سيؤثر مباشرةً بأمنها"، مضيفاً أنّ تونس "خائفة من تدخل عسكري جوي لا يقضي على المتطرفين جذرياً، وفيه خطر هروبهم ولجوئهم إلى تونس (ما حدث في بن قردان له ارتباط عضوي بعملية صبراتة)".
ويعتقد شريف أنّ "للجزائر نفس السياسة تقريباً، لكنها كذلك تخشى محاولات مصر والإمارات للهيمنة على ليبيا، ما سيزاحمها كقوة مهيمنة في شمال أفريقيا"، لافتاً إلى أنّ "مصر، ومن ورائها الإمارات، تحاول القضاء على داعش، ولكن كذلك منع الإسلاميين، والديموقراطية بصفة عامة، من التمدد في ليبيا. ويمكن أن مصر طامعة كذلك في بترول غرب ليبيا".
على الجانب الآخر، يرى الباحث التونسي أنّ "للبلدان الغربية مصالح متشابكة. كلها تنوي التخلص من داعش. وأوروبا خائفة من أن تصبح ليبيا مسلكاً للاجئين نحوها مع اقتراب الصيف، وكذلك مخزناً للتجارة الممنوعة (مخدرات، سلاح...)، لكنها تنظر أيضاً إلى ثروات ليبيا الطبيعية". ويوضح أنّ "لكل قوة (أوروبية) مصالحها. ويبدو أن فرنسا أقرب لمصر وحليفها حفتر من بريطانيا مثلاً، كذلك لفرنسا تاريخياً نفوذ في جنوب ليبيا (الفزان) ونفوذ اقتصادي". ويرى أنه بالنسبة إلى بريطانيا، فإنها "تُعدّ أقل عدوانيةً تجاه سلطات غرب ليبيا (ولكنها غير متحالفة معها). وهي لها أيضاً ماضٍ استعماري في ليبيا ومصالح اقتصادية كبرى". أما بالنسبة إلى إيطاليا، فيشير شريف إلى أنّ "هناك البعد التاريخي (تعتبر ليبيا منطقة نفوذها التقليدية)، والاقتصادي (كانت إيطاليا شريك ليبيا الاقتصادي الأول قبل 2011)".
ويختم حديثه بالقول: "بما أنّ هذه الدول تخطط على المدى البعيد، فهي تعدّ لما بعد هذه الفترة، وكل واحدة تفكر في مصالحها أولاً... لكن، بصفة عامة، تتفق هذه البلدان (الغربية، والجزائر) على وجوب قيام حكومة في ليبيا قبل التدخل، آملةً أن الحكومة ستتكفل لاحقاً بالعمل الميداني. لكن الوقت بدأ ينفد".
في ظل هذه الظروف، بات واضحاً بعد الهجوم على بن قردان أنّ تونس لن تغيّر موقفها إزاء الأزمة الليبية. وبرز، خلال اليومين الماضيين، موقف تونسي شبه موحد في هذا الشأن، بالتزامن مع سعي "الائتلاف الحاكم" في البلاد إلى الحفاظ على التماسك الداخلي وعدم العبث بالاستقرار السياسي.
وتُعَدّ تونس مضطرة إلى ضبط تعاملها مع الملف الليبي قدر الإمكان، نظراً إلى معطيين رئيسيين: ثبات عدم قدرتها على ضبط حدودها الطويلة مع ليبيا، في الشقين الأمني والاقتصادي؛ الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعرفها البلاد تحتاج إلى الحفاظ على الاستقرار السياسي، وإلى عدم التدخل مباشرة في ملفات تصعب السيطرة عليها.
بالتوازي، تواصل البلاد سياسة بدأتها منذ ما بعد رحيل الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، تقضي بدعم القوات العسكرية، ويشير تقرير نشره حديثاً مركز "كارنيغي" إلى أنّ "ميزانية وزارة الدفاع نمت بسرعة أكبر من أي وزارة أخرى من عام 2011 إلى عام 2016، وزادت بمعدل 21 في المئة سنوياً". وتعمل السلطات كذلك على تكثيف اتفاقات التعاون والتدريب الأمني مع دول مثل بريطانيا، ألمانيا، والولايات المتحدة، التي منحت تونس خلال عام 2015 صفة الحليف الرئيس السادس عشر من خارج حلف شمال الأطلسي.
وعلى الرغم من إعلان تونس انضمامها إلى "التحالف الدولي" الذي تقوده واشنطن، وإلى "التحالف الإسلامي" الذي أنشأته الرياض (دون الرجوع إلى البرلمان في الحالتين)، إلا أنّ ذلك لن يعني دخولها في "مغامرات عسكرية". ويقول المصدر الدبلوماسي، الذي يعرف تونس وليبيا عن كثب: "التونسيون حذرون جداً. ولاعتبارات مختلفة، فإنّ الباجي قائد السبسي، وراشد الغنوشي، يعرفان أنّ تونس بلد صغير، ولا يستطيع أداء دور أكبر منه، ولدى الباجي قناعة راسخة بأنّ هناك حدوداً لدور بلاده".