تتذرّع «الحركة لإنقاذ يهودية القدس» الإسرائيلية بـ«الدواعي الأمنية» التي طرأت أخيراً، للدفع بخطتها الراميّة إلى فصل بلدة بيت حنينا، وشعفاط، والعيسوية، والطور، وجبل المكبر، وصور باهر وغيرها عن باقي أجزاء القدس المحتلة، التي تصنف تحت النفوذ الإسرائيلي. يعيش في هذه البلدات نحو 200 ألف فلسطيني، سيُعزلون بواسطة جدار فصل عنصري، وتُسحب أوراقهم الثبوتية ويُحرمون حقوق الملكيّة وسائر حقوق «المواطنة» التي حصلوها عليها بموجب الإقامة الإسرائيلية. أمّا العمّال والموظفون، فسيواصلون أعمالهم في باقي الأجزاء الأخرى، ولكن بموجب تصاريح عمل مماثلة لتلك التي تمنحها إسرائيل لعمّال الضفة المحتلة.
البلدة القديمة، التي تعدّ المنارة السياحية والدينية للقدس، تضاف إليها بلدات سلوان، ووداي الجوز، وحي الشيخ جراح (تضم 150 ألف مقدسي) آخرين ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية. في المقابل، يبقى جميع المستوطنين داخل البيوت التي استولوا عليها بالقوة والواقعة ضمن المنطقة المعزولة، فيما هم غير خاضعين للحكم العسكري، ويتبعون إدارياً لإسرائيل!

سحب الإقامات بإجراء مباشر أو بإخراج مناطق من حدود القدس

في هذا السياق، كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية، أمس، أن «الحركة لأجل إنقاذ يهودية القدس» بدأت بعد وقت قصير من استشهاد شابين من كفر عقب (نفذا عملية دهس وإطلاق نار في القدس) بزيارة أولى إلى الأماكن التي من المفترض فصلها. وتضيف أنه تحركت آنذاك حافلة «سياحية» بمرافقة «حرس الحدود»، في جولة باتجاه شعفاط والطور ورأس العمود. شارك في هذه الجولة كل من وزير العدل السابق حاييم رامون، ومسؤولون سابقون من أجهزة الأمن، بينهم القائد السابق للواء الشمال في الشرطة، أليك رون، وقائد لواء القدس السابق، أريه عميت، والرئيس السابق لـ«اللجنة الفرعية لتطبيق سياسات الحكومة» في المسجد الأقصى، دافيد تسور، والضابط المتقاعد شاؤول أرئيلي، والمرشد السياحي الإسرائيلي أمير حيشين.
وسعت جولة المسؤولين المشار إليهم، وفق الصحيفة، إلى شرح خطتهم، التي تنص على «الانسحاب الأحادي من غالبية الأحياء الفلسطينية في المدينة، وإقامة جدار يفصل بينها وبين الأحياء الفلسطينية التي ستبقى تحت سيطرة إسرائيل»، ما يعني عزل القدس عن أكبر عدد من الفلسطينيين، أي ليس فقط من هم محرومون زيارتها حالياً (أبناء الضفة وغزة)، وإنما يضاف إليهم 200 ألف فلسطيني آخرين.
الوزير حاييم رامون يدعي، في الإطار، أن هدف الخطة هو «تصويب خطأين تاريخيين اقترفتهما إسرائيل: الأول، «عندما ضمّت بلدات فلسطينية كثيرة إلى القدس مباشرة بعد الحرب عام 1967، لأنه بعد نحو 50 عاماً من الضّم وإقامة أحياء وبنى تحتيّة، فإن سكان هذه الأحياء الفلسطينيّة لا يشعرون بأنهم جزء من المدينة، وليس لديهم ولاء للدولة». أما الخطأ الثاني، فهو «مسار الجدار الأمني (الفصل العنصري) الذي أقرّه أرئيل شارون مطلع 2000، وأبقى كل منطقة نفوذ بلدية القدس في الجانب الإسرائيلي من الجدار».
في المقابل، يرى مدير «مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية»، زياد الحموري، أن «إسرائيل تسعى بهذا المخطط إلى تقليص الوجود الفلسطيني في المدينة عبر إجراءات تحت مظلة أمنية، لكنها في الحقيقة بعيدة كل البعد عن هذا الجانب». ولم يستغرب الحموري، في حديث إلى «الأخبار»، من المخطط، لكونه ابن المدينة التي تعيش واقع الاحتلال الساعي إلى شد الخناق على المقدسيين في ظل الوجود الأمني الكثيف، وإعدامه الفلسطينيين «على الشبهة».
لن تسلم المناطق المنوي عزلها لإدارة السلطة الفلسطينية

ولفت الحموري إلى أن كل مقدسي عند بلوغه سن الـ18، يسدد ضريبة ماليّة لحكومة الاحتلال ليضمن الحصول على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (كالتأمين الوطني الذي يسترجعه في سن الشيخوخة)، وليحافظ على هويته التي تضمن له البقاء في أرضه، ولكنه الآن سيحرم تلك الحقوق بمجرد سحب إقامته، فضلاً عن حرمانه مدينته التي عاش وكبر فيها، كما ستتحول أملاكه إلى أملاك الغائبين، ثم يسلمها الاحتلال للمستوطنين الذين سيستقطبون إلى القدس بعد إفراغها من سكانها الأصليين.
وفيما يبلغ عدد الفلسطينيين الآن هو 350 ألف من مجمل سكان القدس الـ850 ألفا، فإنه بموجب المخطط سيتقلص العدد إلى نحو 150 ألفا، في واقع سيصل فيه عدد المستوطنين إلى قرابة المليون نسمة. ووفق الحموري، «قد ينتصر الاحتلال بفعل هذا الواقع في حربه الديموغرافية التي يشنها منذ احتلاله المدينة عام 1967... وستصير القدس الموحدة فعلاً عاصمة لكيانه».
يشار إلى أنه جرى توسيع نفوذ بلدية الاحتلال في القدس لتشمل أكبر عدد من المستوطنات في محيط المدينة، أمّا الهدف من ذلك، فهو زيادة النسبة السكانية لليهود، ما يعني أن البلدات الفلسطينية التي يعدّها الاحتلال أحياء ضمن نفوذه سيجري عزلها. ورأى الوزير رامون في هذا الصدد، أنه «حان الوقت لطرح خطة الانسحاب الأحادي من أجزاء من القدس»، مبرراً ذلك بالاستطلاع الذي أجراه «معهد استطلاعات الرأي الأميركي» (بيو)، وتبيّن فيه أن نصف الإسرائيليين يؤيدون «طرد العرب». وبما أنه لا يمكن طردهم، «فبالإمكان إقامة جدار»، كما قال رامون.
الحموي يوضح أن سحب إقامات المقدسيين سيجري إمّا عن طريق سحب إقامتهم وإخراجهم من المناطق التي تسيطر عليها بلدية القدس، أو بإخراج مناطق كاملة ضمن حدود القدس كقرية صور باهر الواقعة جنوب المدينة والعيساوية الواقعة شمالها. ما يعني أن هذه المناطق ستخضع للحكم العسكري ولن تسلم في طبيعة الحال، لإدارة السلطة الفلسطينية. وبالنسبة إلى السكان، فإنهم لن يتمكنوا من الحصول على أي وثائق تمكّنهم من التنقل كما حدث مع النوّاب المقدسيين عندما سُحبت هوياتهم وأخرجوا من المدينة.
إذن، تمهد إسرائيل لحشر المقدسيين في «بانتوستان» (معزل عرقي) جديد يضاف إلى ذلك الذي تحشر فيه إسرائيل الفلسطينيين في الضفة وغزة.