فرنسوا بورغا*

كيف نثق بالدعوات الفاضلة التي تنادي بها الولايات المتحدة، صاحبة مخطط «كوندور» الذي ساند أسوأ جلادي أميركا اللاتينية، ثمّ وفّر لصدام حسين الغاز المُعَدّ لعدوه الإيراني؟ وكيف نثق بالدعوة الديموقراطية لهؤلاء الأوروبيين الذين يقاطعون صناديق الاقتراع العربية في كل مرة لا يعجبهم فيها الفائزون؟ وفي خضمّ سوء الفهم الذي تنطوي عليه «نظريّة المؤامرة» المثيرة للشفقة التي تشل اليوم التضامن الدولي مع المعارضة السورية، يظهر واقع، هو أنّ الديبلوماسيات الغربية ذات الماضي الثقيل والمصبوغ بالإمبريالية السافرة، قد فهمت، بعد تنكّر الثورتين التونسية والمصرية لها، الحدود الاحترابية التي يجب أن تقف عندها في الدعم الأعمى الذي كانت تقدمه لأنظمة استبدادية مخلوعة، لذا قررت «أن تغيّر»، ولو جزئيّاً، مواقفها وتحالفاتها. بيد أنّ أوروبا والولايات المتحدة لديهما رصيد سلبي ضخم من عدم الشرعية في الشرق الأوسط، لدرجة أنه أصبح من الصعب بالنسبة إلى أي شخص لا يرزح مباشرة تحت نير النظام السوري أن يصدّق أنها وقفت اليوم «في الجانب الصحيح من التاريخ»، في خندق ينبغي لأعدائها الأزليين، أن يوافقوا هم أيضاً على دعمه، مع الإعلان الموقت أنهم إلى جانبها. يعجز قسم كبير من الرأي العام العربي والغربي، في اليسار خصوصاً، عن تقبُّل الفكرة: هناك قوى سياسية تُعتبَر، عن حق، غير مُخوَّلة شرعياً «الدفاع عن الديموقراطية». لكن مجرّد قرارها اليوم أن تُضعف عسكرياً، نظاماً استبداديّاً، لا يكفي كي نرفع غطاء الشرعيّة عن ثورة أطلقها شعب يطالب بالحريّة. في السياق نفسه، ليس إلزاميّاً علينا تصديق الدعاية التي يروّج لها كل من يحارب تلك الثورة. الأحزاب اليسارية باتت مطالبة، بشكل أكثر إلحاحاً، أن تترك مسافة مع «البروباغاندا» الرسميّة السوريّة، وأن تنظر إلى معطيات غير قابلة للشك في المشهد العربي، وما «يرتكب» بحق القوى الإسلامية التي أسهمت، هنا وهناك، في استبعادها من صناديق الاقتراع في المنطقة، وأعادتها إلى الإغواء غير القابل للوصف، عبر التحالف مع هؤلاء العسكريين الذين يدّعون أنّهم يرغبون في «إنقاذ الثورة». تبدو المفارقة في الدعم الغربي للمعارضة السورية فاضحة أكثر فأكثر، حتى أنّ هذه الأخيرة لم ترَ منها حتى الساعة إلا الأشواك: بخلاف المسعى الروسي، أو الإيراني، أو اللبناني، الذي يركّز بشكل فعّال على الحفاظ على التفوق العسكري للنظام، فإنّ الدعم الغربي للمعارضة هو دعمٌ شفهي أكثر مما هو دعمٌ عملي فعال. وتتخلل هذا الدعم سلسلة طويلة من التأجيلات المبنية على وعود غير مؤكدة، ومرهونة بمطالب غير واقعية (هل جميعكم علمانيون حقاً؟) لذلك بقي هذا الدعم على هذه الحال حتى يومنا هذا، أقرب إلى قبلة الموت منه إلى اليد المُنقذة.
تلك هي إذاً الحصيلة المتناقضة إلى حد رهيب التي قد يغيّرها غداً دعم ملموس أكثر لنضال المعارضين من مختلف الميول، في سبيل وضع حد لكارثة سياسية وإنسانية طال أمدها، وذلك، أيّاً كانت الصعوبات لحشد شروط الاعتراف بهذا الدعم، في القانون الدولي.
(ترجمة باسكال شلهوب الخوري)
* المدير السابق لـ«المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»،
وباحث في «المركز الوطني للبحث العلمي»، فرنسا