تونس | أعلنت حركة النهضة الإسلامية في تونس أمس في بيان وقعه رئيسها راشد الغنوشي، قبولها بمبادرة المنظمات الراعية للحوار الوطني، التي يتقدمها الاتحاد العام التونسي للشغل، وذلك غداة بيان مماثل أصدره الائتلاف الحاكم «الترويكا»، الذي يضم أحزاب «النهضة» و«المؤتمر من أجل الجمهورية» و«التكتل من أجل العمل والحريات»، معلناً قبوله للمبادرة إطاراً للحوار.

لكن قبول «النهضة» للمبادرة وللحوار «بلا شروط»، استُقبل ببرود. إلا أن تمسكها بـ«إنهاء الدستور والتصديق» عليه كشرط أول لاستقالة الحكومة يُفقد هذا البيان أي قيمة؛ لأن هذا الشرط يعني عودة النواب المنسحبين وهم الذين يرفضون أي عودة قبل استقالة الحكومة.
بيان «النهضة» أشار أيضاً إلى ضرورة التوافق على تركيبة الحكومة و«برنامجها». ولأن «الشيطان يسكن في التفاصيل»، فالأقرب إلى الظن أنه سيكون هناك خلاف كبير على مهمات الحكومة الجديدة؛ ففي الوقت الذي تريد «النهضة» كما قال رئيس الحكومة علي العريض، «حكومة انتخابات» فقط، تصرّ المعارضة على أن تكون حكومة لها كل الصلاحيات لمراجعة التعيينات في المناصب الكبرى للدولة. وبالتالي تُلغى كل التعيينات التي قامت بها الحركة الإسلامية للسيطرة على الإدارة، وتزوير «المناخ الانتخابي»، حسبما يقول زعماء المعارضة.
في ضوء هذه المعطيات يصبح بيان «النهضة» بلا معنى، بما أنها لم تعلن موافقتها على استقالة الحكومة كمنطلق للحوار.
من هنا يأتي بيان الجبهة الشعبية الذي صدر أمس ويتهم «النهضة» بعدم الاستعداد للحوار وإصرارها على تزييف مناخ الانتخابات لضمان فوزها في الانتخابات المقبلة، التي «لا يمكن أن تكون شفافة في ظل إدارة تسيطر عليها حركة النهضة».
في سياق متصل، قضت المحكمة الإدارية ببطلان الهيئة المستقلة للانتخابات الجديدة. وهو قرار غير قابل للنقض بسبب الاخلالات الإجرائية التي طاولت اختيار أعضائها في المجلس الوطني التأسيسي، على خلفية قضية رفعتها جمعية «عتيد» المتخصصة في الانتخابات.
وبهذا القرار القضائي يعود الصراع على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات إلى الدرجة الصفر، وهو ما سيؤجل مرة أخرى التوافق على الهيئة، وبالتالي تحديد موعد جديد للانتخابات.
وكان بيان حركة النهضة، أمس، قد طالب بأن تكون الانتخابات بعد ستة أشهر من تركيز الهيئة الجديدة. وبناءً على هذا القرار القضائي، فإن مفاوضات تشكيل الهيئة سيزداد تعقيداً مع إصرار النواب المنسحبين على مقاطعة المجلس.
بموازاة هذا الحراك السياسي، تواصل نقابات الأمن معركة كشف الملفات التي تؤكد تورط قيادات من حركة النهضة في حيازة ونقل السلاح والاغتيالات، وذلك على خلفية الوثيقة التي كشفها النائب محمود البارودي، والطيب العقيلي من الهيئة الوطنية لكشف الحقيقة حول اغتيال زعيم التيار الشعبي محمد البراهمي والقائد اليساري شكري بلعيد.
العقيلي أكد أنه سيكشف عن وثائق أخرى تدين «النهضة» وبعض قيادات وزارة الداخلية في اغتيال بلعيد، معلناً في هذا السياق رفعَ قضايا ضد ٢٠ قيادياً في وزارة الداخلية مع مقاضاة الرئيس محمد المنصف المرزوقي، ورئيس الحكومة علي العريض، ووزير الداخلية لطفي بن جدو، على خلفية مسؤولياتهم عن اغتيال البراهمي.
وقد فتحت النيابة العامة قضايا ضد عدد من النقابيين الأمنيين على خلفية كشفهم لملفات خطيرة تؤكد اختراق حركة النهضة لوزارة الداخلية؛ من بين هؤلاء وليد زروق من نقابة الأمن الجمهوري، الذي دخل في إضراب عن الطعام في السجن.
في ظل هذه الأزمة الخانقة، التي شبهها عدد من المتابعين للشأن التونسي بـ«الكابوس»، ينتظر أن تكشف اليوم قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل عن كواليس المفاوضات وتحميل كل جهة مسؤوليتها؛ «لأن الوضع على حافة الكارثة». وفي الوقت الذي تقترب فيه المنظمات الراعية من إعلان فشل الحوار الوطني، يشكك بعض السياسيين بوجود «صفقة سياسية» في الأفق بين الحزبين الرئيسين «نداء تونس» بزعامة الباجي قائد السبسي، وزعيم «النهضة» المسيطرة على الائتلاف الحاكم، الغنوشي، على علاقة بوساطة جزائرية وأوروبية، وخاصة من فرنسا وإيطاليا وألمانيا؛ إذ يشكل الوضع التونسي مصدر قلق للضفة الشمالية للمتوسط.