مخيم إربد | تبدأ موسيقى الصباح مع ابتسامة أمي البسيطة، تنظر نحوي بعينين ممتلئتين باللطف والصبر، يصحبها دعاء بصوتها الهش "الله يفرجها عليك يما". تتنقل في أنحاء المنزل كالمارد السحري تلبي حاجاتنا أنا وأخوتي من دون تعب أو ملل، أراقبها جيداً خوفاً من أن تجد الفانوس وترحل عنا.

تحدثني أمي عن طفولتها في نابلس، تتكلم عنها كما لو أنها آدم وهو يسرد لأولاده عن الجنة وجمالها الخلاب وخيراتها، تقول إن المدينة تعرفها كما تعرفها هي، وتحفظ معالم وجهها كما تحفظها هي شبراً شبراً، فهناك يكتمل جمال خلق الله وتتجلى عظمته، يشرق وجهها وهي تحكي عن نابلس، تضيء عيناها بوطن لا أعرف منه إلا ما تحكيه هي أو ما أقرأه وأسمعه من الأخبار والتاريخ.
تمضي بالحديث لتخبرني عن النكسة وتخاذل العرب، يعبس وجه أمي هنا بحزن لا أفهمه، أو ربما افهمه لكني أهرب منه. تمضي لتحكي كيف دخلت آليات الاحتلال الحربية رافعة أعلام الدول العربية، تحكي لي عن خروجهم الى الأردن، عن دبابات الجيش العراقي المحروقة في غور الأردن، التي رأتها وهم في طريقهم الى "مخيم إربد" مشياً على الأقدام. لا تنسى كيف تركت أمها مفتاح البيت تحت المزهرية التي بجانب الباب، المزهرية التي كانت على شرفة تطل على "حاكورة" فيها بعض من الوز والماعز، حاكورة تطل على شارع يطل على حارة، الحارة التي لا زالت تسكنها، أمي تسكن حارتها القديمة في نابلس، والحارة تسكن قلب أمي حتى اليوم. يضيء وجه أمي مرة أخرى، تعلوه ابتسامه طفولية رقيقة، أتمنى لو أني كنت هناك في ذلك العالم السحري الذي تحكي أمي عنه لكني أتراجع، أخاف أن تجد فانوسها وترحل عنا.
كانت والدتها، أي جدتي، قد تركت المفتاح تحت المزهرية إياها، أملا بالعودة بعد عشرة أيام، كما أخبرها أحد الجنود، لكن الأيام العشرة إياها لم تنتهِ، والمزهرية لا أنا ولا أمي ولا جدتي ندري ما حصل لها وللمفتاح، ولا حتى ندري إذا ما كان البيت ما زال موجوداً أم أنه هُدم وقتها، أو ربما في الانتفاضة الأولى أو الانتفاضة الثانية، من يدري...
جدتي تركت مفتاحها وبيتها لترجع إليهم بعد عشرة أيام، أمي تركت طفولتها وراءها لترجع إليها بعد أيام، جدتي ماتت في مخيم إربد ودفنت هناك، أما أمي... أمي صارت جدة في إربد، لكنها ما زالت طفلة في نابلس، يضيء وجهها كلما ذكرت الوطن ويشيخ فجأة عندما تذكر غربتها!