دمشق | مع انطلاق التظاهرات الاحتجاجية في الأراضي السورية، برزت حاجةٌ ملحّةٌ وعاجلة إلى أن يكون هناك تلك الرافعة السياسية الرديفة للحراك الشعبي والفاعلة على الأرض، معه، في آن واحد. في ذلك الوقت، أبصرت العديد من القوى السياسية المعارضة النور، إما على شكل تكتلات سياسية جديدة كانت الحاملة الأساسية لاستدعاءات التدخل العسكري الخارجي و«الحماية الدولية»، كـ«المجلس الوطني السوري» في الخارج، الذي انتهت مهمته فانتقل إلى طوره الثاني المتجسد بـ«الائتلاف»، وإما على شكل تحالفات جديدة شملت أحزاباً سياسية كانت موجودة مسبقاً، كـ«هيئة التنسيق الوطنية» و«الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير»، اللذين يشكلان اليوم أبرز تنظيمات المعارضة في الداخل السوري، فما ميّزهما هو أنهما لم يرضخا لمعادلة العمل السياسي المعارض من خارج البلد. إلا أن المسرح السياسي في الداخل كان قد شهد خلافات عديدة بين الهيئة والجبهة، كانت قد سبقت مشاركة هذه الأخيرة في الائتلاف الحكومي الحالي. وبلغت ذروة هذا الخلاف بينهما حين عمدت الهيئة إلى إقامة «مؤتمر الإنقاذ» في الداخل دون دعوة الجبهة إليه، حينها ازدادت التصريحات الإعلامية حول الموضوع، فحاولت الهيئة أن تحدد أسماء معينة تشارك في الوفد الجبهوي، ما أدى إلى انسحاب الجبهة من المؤتمر، اعتراضاً على تمثيلها المنقوص، فعادت الجبهة لتنظم مؤتمر «قوى التغيير السلمي» وتدعو الهيئة رسمياً إليه، إلا أنّ هذه الأخيرة كانت قد رفضت الحضور، نظراً إلى الاحتقان السياسي الدائر بينهما في حينه.

اليوم، تبدو التركيبة العامة لقوى معارضة الداخل منقسمة، بشكلٍ رئيسيٍ، ما بين «الهيئة» وحلفائها من جهة، و«الجبهة» وحلفائها من الجهة الأخرى. وخلال الأيام القليلة الماضية، أشارت بعض التسريبات إلى أنّ قوى «الائتلاف» ستُعطى خمسة مقاعد في مؤتمر «جنيف 2»، في مقابل مقعدين اثنين لكلّ فصيل من باقي فصائل المعارضة المشاركة في المؤتمر. هذه التسريبات يتلقفها الباحث السياسي السوري معاذ حقي بكثيرٍ من القلق، حيث يؤكد في حديثه لـ«الأخبار» أنّه «لا يحتاج الأمر إلى شخصين عاقلين يستنتجان ماهية المطلوب لمواجهة محاولات الدول الغربية إعطاء وزن أكبر لقواها السياسية الخاصة. هذان الفصيلان في الداخل (الهيئة والجبهة) إن لم يضعا خلافاتهما جانباً، وينسّقا جهودهما معاً، ومع باقي القوى الوطنية، لخوض المعركة السياسية القادمة بقوة وثقل أكبر، فسيتحمل الطرف المعرقل مسؤولية شقّ الصف المعارض الوطني في الداخل». وفي الفترة الأخيرة، يمكن التماس التهدئة النسبية في خطاب الطرفين، فعلى الأقل هما اليوم لا يستبعدان إمكانية أن يشهد المستقبل تحالفات سياسية جديدة.
من دمشق، أكّد المنسِّق العام لـ«هيئة التنسيق الوطنية»، حسن عبد العظيم، في حديثه مع «الأخبار»، أنّ «الهيئة في سياق تحضيراتها، قد حددت أسماء وفدها الذي سيشارك في المؤتمر، وباتت تنتظر توجيه الدعوة الرسمية لها لحضور المؤتمر. معلومات الهيئة تقول إن المؤتمر سيكون بين 15 و 28 الشهر القادم، لأنه بعد قضية السلاح الكيميائي، والاتفاق الروسي ــ الأميركي حوله، أصبحت قضيتي تسليم السلاح الكيميائي وعقد المؤتمر والتحضير له قضيتين متلازمتين، ولهذا، نتصور أنه لن يتجاوز شهر تشرين الأول». أما عن مستجدات الخلاف مع «الجبهة»، فقال عبد العظيم: «نحن لا نصادر حرية أحد، الجبهة الشعبية اجتهدت وشاركت في الحكومة، نحن ديموقراطيين ونحترم خيارات الناس، فلا نكفِّرهم ولا نخوِّنهم ولا نسيء إليهم، وهم عندما شاركوا في السلطة من الممكن أن يكون لهم دور في تغيير عقلية السلطة وآلية عملها، وعندما طرحنا فكرة أن يشارك أعضاء الجبهة في وفد الحكومة السورية، فهو لأنهم دخلوا إليها أخيراً وليس لهم علاقة بما مارسته السلطة. نتفق معهم في أنّ كلينا ضد التدخل الخارجي ونحن ضد الاستبداد الداخلي والحظر الجوي والمناطق العازلة، هذه مبادئنا ونحن لا نستقوي بالقوى الخارجية على الاستبداد الداخلي». وعن إمكانية أن يكون هناك تحالفات مع «الجبهة» في المستقبل، شدد عبد العظيم على أنّ «كلّ من يقبل بالحل السياسي في «جنيف 2»، والانتقال السلمي للسلطة، أياً كان موقعه الحالي فنحن معه».
في المقابل، أكّد القيادي في «الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير»، علاء عرفات، خلال لقائه مع «الأخبار» أنّ «مؤتمر جنيف سينعقد في الشهر القادم. وهذا المؤتمر سيكون مدخلاً لحلّ الأزمة السورية، نحن نعتقد أن «جنيف 2» هو تعبيرٌ عن انتصار لغة العقل على السلاح، والقناعة بأن ميزان القوى الداخلي والإقليمي والعالمي لا يسمح لا بإسقاط النظام ولا بالحسم العسكري، وهو ما قلنا به في الجبهة والائتلاف (قوى التغيير السلمي) منذ بداية الأزمة، وما يفتح الباب لإحداث التغيير الواسع والجذري والعميق والسلمي للنظام». وعن العلاقة مع الهيئة، أشار عرفات إلى أنّ الخلاف «يعود إلى بدايات الأزمة. نحن من ناحيتنا نرى أن الهيئة هي إحدى قوى المعارضة الوطنية الأساسية، وقد حاولنا مراراً، خلال كامل فترة الأزمة، أن نصل إلى صيغة تعاون معها ولم نفلح. وبرأينا لو حدث ذلك لكان وضع قوى المعارضة الوطنية أفضل بكثير مما هو عليه الآن، وكان لذلك انعكاسات إيجابية على تطورات الوضع في سوريا. برأيي أن العلة تكمن في جوانب عدة، الأول هو أن لدى بعض قيادات الهيئة عقلية تشبه عقلية المادة الثامنة التي كانت موجودة في الدستور السابق، وهي عقلية إقصائية، والثاني وجود الكثير من التعرجات في المواقف، وأحياناً في الموقف الواحد، فكيف يمكن أن نفهم موقف الهيئة بإدانة التدخل العسكري الخارجي، وإدانة الفيتو الروسي الصيني الذي منع هذا التدخل في الوقت نفسه؟». واليوم، يؤكد عرفات قائلاً: «إننا نرى بوضوح أن مواقف الهيئة السياسية تطورت بوضوح في الأشهر الأخيرة باتجاه الحل السياسي، وغابت مقولات وشعارات إسقاط النظام، لمصلحة شعار التغيير الجذري والسلمي، وهو تطور إيجابي يخدم عملية الحل والخروج من الأزمة».
إلى هنا، يبقى السوريون في انتظار مآلات المؤتمر الدولي، الذي أصبح اليوم بمثابة الأمل الوحيد أمامهم للخروج من دوامة العنف التي فتكت بمقدرات البلاد خلال السنوات الثلاث؛ إذ تتجسد فكرة التجهيز لموقع أقوى لقوى الداخل في المؤتمر، عبر وحدة صفها، كإحدى الخطوات الرئيسية الكفيلة بأخذ مقرراته نحو ما يطمح إليه السوريون بحق.