لم يصل «مسلّحو المعارضة» إلى أعتاب قصر الرئاسة السورية. لم يقف هؤلاء أمام منزل الرئيس السوري بشّار الأسد في حيّ المالكي، بل لم تُهدّد هجماتهم العاصمة دمشق بالسقوط حتى. فلماذا إذاً، قد يستخدم النظام السوري السلاح الكيميائي؟ بل أكثر من ذلك، وعلى عكس السابق، هذه المرّة كان التقدّم الميداني حليف الجيش السوري. وكانت نتائج المعارك المحتدمة في محيط الشام وريفها تصبّ في مصلحته.


وكانت أيضاً «استغاثات مسلّحي المعارضة تُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واتصالات المناشدة للتدخّل لوقف تقدم الجيش السوري كانت تُعرض مباشرةً على شاشتي العربية والجزيرة، قناتي الثورة السورية». وأيضاً وأيضاً، كان هناك وفدٌ جديد من المراقبين الدوليين قد وصل إلى سوريا قبل يومين للتحقيق في حادثة استخدام الكيميائي في خان العسل والشيخ مقصود وسراقب، التي وجّهت فيها المسؤولة الرفيعة في الأمم المتحدة كارلا ديل بونتي في مقابلة مع التلفزيون السويسري الاتّهام بداية إلى مسلّحي المعارضة. كانت الكفّة راجحة بوضوح لمصلحة النظام السوري. فجأة، انقلبت الصورة رأساً على عقب. خرجت فجر ٢١ آب مقاطع فيديو مصوّرة تُظهر عشرات القتلى يُزعم فيها أنهم ضحايا هجوم كيميائي نفّذه الجيش السوري. لم يكن هناك آثار دماء على الضحايا الذين كانوا أطفالاً ونساءً، ولم يكن بينهم مسلّحون حتّى. هكذا خرجت وسائل الإعلام والناشطون على هوائها لاتّهام النظام السوري، مستبقة أي تحقيق، بارتكاب مجزرة الغوطة التي زعموا أن ضحاياها قاربوا ١٤٠٠ قتيل. فهل يُعقل ذلك؟ هل دمشق استخدمت السلاح الكيميائي فعلاً؟ تساؤلٌ يُجيب عنه مسؤول رفيع في الأمم المتحدة، معنيٌّ مباشرة بالملف السوري، في حديثه مع «الأخبار»، مستبعداً تورّط النظام السوري باستخدام السلاح الكيميائي لأنه «انتحار». يستعيد المسؤول المذكور المجريات الميدانية التي كانت في مصلحة الجيش السوري حينها، فيخلُص إلى أن جهازاً استخبارياً متورّطٌ في الهجوم لتوريط دمشق. ولدى الاستفسار منه عن هوية الجهة أجاب قائلاً: «أعتقد أنّه بندر، لكنّ أحداً لن يجرؤ على قول ذلك»، (أي بندر بن سلطان رئيس جهاز الاستخبارات السعودية). ثم يضيف: «السعوديون أكثر المستفيدين، فلم يكد المراقبون الدوليون يصلون إلى سوريا حتى استُخدم الكيميائي فوراً... الطريقة الأسرع لتركيع الأسد». استنتاج المسؤول الأممي، رغم استبعاده تورّط النظام وتوجيهه اتّهام تنفيذ الهجوم ضمنياً لمسلّحي المعارضة، لا ينفي احتمال أن يكون ضباط سوريون خالفوا أوامر القيادة واستخدموا صواريخ كيميائية من طريق الخطأ أو لغاية في أنفسهم، (ربما انتقاماً أو خدمة مدفوعة الثمن بناءً على طلب جهة استخبارية).
الأبواب مفتوحة على كافة الاحتمالات، لكن الحقيقة أنّ الجيش السوري كان يُحقّق تقدّماً استثنائياً في ريف دمشق في تلك الأيام. فلماذا قد يستخدم الكيميائي في المعضمية وزملكا وعين ترما وجوبر الملاصقة لعاصمة نظامه، ولا يستخدم السلاح الكيميائي في حلب وإدلب اللتين تبعدان عنه، أو في قرية جبل الزاوية التي تعجّ بالمسلّحين ولا مدنيين فيها؟ لماذا لم يكن بين الضحايا مسلّحون ما دامت قوات الجيش السوري استهدفت مسلّحي المعارضة واقتصرت المقاطع التي عُرضت على جثث الأطفال والنساء فحسب؟ ألا يُمكن أن تكون جُثث هؤلاء قد حُقنت بالكيميائي أو أنّ مجموعة معارضة مأجورة استهدفت النساء والأطفال عن سابق إصرار للعائلات لتوجيه أصابع الاتهام إلى النظام السوري للحؤول دون استمرار تقدّمه؟

المسلسل مستمرّ

مسلسل الكيميائي لم ينته هنا؛ فقد علمت «الأخبار» أن مجموعات من المعارضة المسلّحة اتّصلت منذ أيام بعدد من أعضاء فريق الأمم المتحدة، زاعمة أن النظام السوري استخدم الكيميائي ضدّهم مجدداً. وتكشف المصادر أنّ هؤلاء أرسلوا مقاطع فيديو لضحايا زعموا أنّهم سقطوا في قصفٍ بصواريخ كيميائية، لكن لم يجرِ التثبّت من المقطع المُرسل. كذلك تكشف المعلومات عن دخول ٤٠٠ كمّامة وملابس خاصة للحماية من الكيميائي إلى كل من إدلب وحلب. وتشير المصادر السورية إلى أنّه جرى الحديث عن وجود ١٤٠٠ ضحية، لكن لم يُعثر إلا على نحو مئتي جثة. أمّا بشأن صور الضحايا التي عُرضت، فبعضها كان قد عُرِض سابقاً. كذلك أُثيرت نقطة أُخرى تتعلّق بتقرير الأمم المتحدة الذي ذكر أن الكيميائي استُخدم بشكل كبير؛ إذ لم تُرَ حيوانات أو طيور نافقة. وكذلك كان المسعفون من دون أقنعة.
لقد خرج إلى الضوء تقرير الأمم المتّحدة عن استخدام الكيميائي السوري في الغوطة، لكنّه لم يُشر إلى عناصر الجيش السوري الموجودين في مستشفى المزة وتشرين لإصابتهم بالكيميائي إثر عثورهم على حُقن تحتوي على مواد كيميائية في أنفاق قريبة من المعضمية تبيّن أنها مادة غاز السارين. علماً أنّ مصادر الجيش السوري تكشف لـ«الأخبار» عن مقتل سبعة عسكريين وإصابة ٣٥ آخرين جراء تعرّضهم للكيميائي. ولم تُشر إلى ما كشفته مصادر الأمم المتّحدة عن اتصال تلقّاه المراقبون قرابة الساعة الثالثة فجراً لإبلاغهم بتعرّض الغوطة لهجوم بالسلاح الكيميائي، حيث تحدّث المتصلون عن سقوط آلاف القتلى، كاشفة أنّ المراقبين طلبوا منهم إرسال مقاطع فيديو وصلهم بعد نحو ربع ساعة، لكن بدا في بعض المقاطع أنّ المشاهد في وضح النهار.
هذا في المضمون. أمّا في الشكل، فلم يوجّه تقرير الأمم المتحدة بشأن استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة الصادر الاثنين الماضي أي إدانة، سواء للحكومة السورية أو مسلّحي المعارضة باستخدام الكيميائي، لكنّ معلّقين إعلاميين ومسؤولين من بلدان عدة انطلقوا منه لتوجيه اتّهامات ضد الرئيس السوري بشّار الأسد بارتكاب الهجوم في الغوطة وفي عدد من المواقع الأخرى. التقرير الأخير الصادر عن الأمم المتحدة بشأن الأسلحة الكيميائية قد يوفر بعض القرائن، لكنّه لا يُحدّد من يتحمّل اللوم بين طرفي النزاع، إلّا أنه يبدو كأنّه يتبنّى رواية المعارضة بشأن هجمات الغوطة. وتجدر الإشارة إلى أن التحقيق اعتمد على ثلاثة أنواع من الأدلة: العينات البيئية والعينات البشرية والذخائر.
لقد جمع فريق الأمم المتحدة عينات بيئية من موقعين في الغوطة والمعضمية الواقعة شرق الغوطة، وعين ترما وزملكا في غربها. عينات المعضمية جُمِعت في ٢٦ آب عندما مكث فريق الأمم المتحدة قرابة الساعتين في المنطقة. أما عيّنات عين ترما وزملكا فجُمعت في ٢٨ و٢٩ آب خلال فترة عمل قُدّرت بخمس ساعات ونصف ساعة. محققو الأمم المتحدة حددوا هذه التواريخ في الملحق السادس من التقرير، لكن في الملحق السابع، قصة مختلفة تماما تنبثق من نتائج الاختبار على العينات البيئية في الغوطة. هذا الجزء من التقرير مليء بالجداول التي لا تُحدد المدن التي جُمعت العينات البيئية منها، لكن فيها التواريخ، ورموز مخصصة للعينات، ووصف من العينات ومن ثم نتائج اختبارات الأسلحة الكيميائية من مختبرين منفصلين. لكنْ بنظرة متفحّصة للرسوم البيانية يظهر وجود تباين كبير في نتائج المختبر للعينات المأخوذة من شرق الغوطة وغربها. كذلك لا توجد عينة واحدة في المعضمية أظهرت فحوصها وجود السارين.
هنا معلومات مثيرة للجدل. هذه العينات أُخذت من «مواقع الهجوم والمناطق المحيطة بها»، وليس عشوائياً من البلدة. وعلاوة على ذلك، في المعضمية، العينات البيئية أُخذت بعد خمسة أيام من تاريخ الهجوم. في حين أنّه في عين ترما وزملكا حيث عُثر على عينات جاءت نتيجة فحصها إيجابية لجهة احتوائها على السارين، فقد جمعها محققو الأمم المتحدة بعد سبعة أو ثمانية أيام على الهجوم. أي حيث يبدو تفكك العوامل الكيميائية أكثر وضوحاً. ومع ذلك، في المعضمية حيث أُجري اختبار على الضحايا الذين تعرضوا للهجوم بالسلاح الكيميائي، تبيّن تعرّضهم لكمية أكبر من السارين بنتيجة راوحت بين ٩٣٪ و١٠٠٪ (يرجع التفاوت في الأرقام تبعاً لاختلاف المختبرات التي فحصت نفس العينات). وفي زملكا، كانت النتائج بين 85٪ و91٪. ليس وارداً من الناحية العلمية، إن لم يكن من المستحيل، اكتشاف تعرّض الضحايا لهذه الكمية من غاز السارين من دون العثور على دليل بيئي واحد يُظهر وجود آثار للسلاح الكيميائي. فلماذا لم تُسلّط الأمم المتحدة الضوء على هذه النتيجة المثيرة للقلق في تحقيقاتها؟
في واقع الأمر، يُطرح تساؤل ملحّ بشأن ضرورة تحديد المذنب في الهجمات الكيميائية في سوريا، وهناك استنتاجات عدة بشأن النقص في الأدلة البيئية ووفرة الأدلة البشرية للتلوث بالسارين في المعضمية. الاحتمال الأول بسيط، هو أنه لا وجود لأي هجوم كيميائي في المدينة، بحسب البيانات البيئية. والتفسير الثاني هو أن العينات المأخوذة من المعضمية، كانت ملوّثة بالسارين بطريقة ما، رغم أن العينات البشرية لم تُظهر شيئاً من هذا القبيل. وهذا تفسير محتمل. وثمة تفسير ثالث مفاده أن «المصابين أُدخلوا إلى المعضمية من منطقة أُخرى لتقديم سرد لهجمات كيمائية لم تحصل قط»، بحسب القائد السابق لفوج الدفاع الكيميائي في الجيش البريطاني، هاميش دي بريتون غوردون.
في النهاية، تقرير الأمم المتّحدة لم يخبرنا ماذا حصل في الغوطة فجر ٢١ آب. لم يُخبرنا التقرير مَن استخدم السلاح الكيميائي أو كيف استُخدم. ورغم ذلك، يتوجّه الفريق الأممي لاستكمال التحقيق في حادثة استخدام الكيميائي في خان العسل. ربّما، ليس في يد فريق الأمم المتّحدة حيلة أو أنّه غير مسموحٍ له بوضع إصبعه على الجُرح وتحديد المذنب بين الطرفين، لكن على الأدلة المعروضة مستقبلاً أن تكون أكثر وضوحاً في المرة المقبلة كي لا تلتبس الحقيقة مجدداً.

صحافي أُردني من قلب الحدث

بعد انقضاء يومين على الهجوم، في ٢٣ آب، دخل المراسل الأردني يحيى عبابنة، في واحدة من جولاته المعتادة في سوريا، إلى الغوطة حيث قابل مسلّحي المعارضة. حصيلة جولته خلُصت إلى اتّهام مجموعة من المعارضة بالهجوم الكيميائي، ونُشرت في أكثر من موقع إخباري، كما نشرتها مراسلة وكالة «أسوشييتد برس» دايل غافلاك في موقع «منت برس». وفي اتصال عبر السكايب مع عبابنة، أعاد في حديثه مع «الأخبار» تأكيد الوقائع التي عاينها في اليوم نفسه الذي وقع فيه الهجوم الكيميائي. فذكر أن المواد الكيميائية التي كانت في أيدي المعارضين قتلت من طريق الخطأ ١٢ شخصاً في أحد خنادق الغوطة. وذكر أن مسلّحي المعارضة الذين تحدثوا إليه زعموا أنهم حصلوا على الأسلحة من مصادر سعودية. وتحدث عبابنة عن حالة غضب عارمة لدى المسلّحين لأنهم لم يُنبّهوا إلى كيفية استخدامها، ما سبّب الحادثة. عبابنة الذي قال إنه سمع القصة نفسها من عشرات المسلّحين المنهارين في ذلك اليوم، أوضح قائلاً: «التقيت ضابطاً منشقاً عن الجيش السوري انضم إلى صفوف المعارضة المسلّحة، وقال لي إنه تركهم لأنهم لم يعلموه بأن هذه أسلحة كيميائية. بل أخبروه بأنها أسلحة عادية. الضابط المذكور أخبرني أنّ مسلّحين من تنظيم القاعدة والمعارضة المسلّحة نقلوا الأسلحة إلى الغوطة عبر خنادق». وكشف أنّه جرى إخفاؤها في الخنادق قبل أن تنفجر من طريق الخطأ. وذكر أن بعض هذه الأسلحة الحديثة كان في أنابيب، وبعضها كان في قساطل رفيعة، مشيراً إلى أنّهم أخبروه بأنها كانت المرة الأولى التي يرون فيها نوعاً من الأسلحة كهذا؛ إذ كانت ناعمة، لكنها ثقيلة في نفس الوقت، علماً بأنّهم طلبوا من المسلّحين حملها بطريقة معينة، لكنّهم لم يُخبروهم بماهيتها.

يمكنكم متابعة رضوان مرتضى عبر تويتر | @radwanmortada




صواريخ الغوطة: من ترسانة القذافي المهرّبة

تحت عنوان: «صواريخ الغاز لم تبع لسوريا»، أشار الكاتب روبرت فيسك، في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، إلى أنّ معلومات يجري تداولها الآن تشير إلى أنّ لدى روسيا «دليلاً» جديداً عن الهجوم الكيميائي في غوطة دمشق، يتضمن تواريخ تصدير صواريخ معينة استخدمت، والأكثر أهمية، البلدان التي بيعت لها أصلاً.
ويروي فيسك أنّ هذه الصواريخ مصنّعة في الاتحاد السوفياتي عام 1967، وباعتها موسكو لثلاثة بلدان عربية هي اليمن ومصر وليبيا، إبان حكم العقيد معمر القذافي.
ويشير الكاتب إلى أنّ هذه المعلومات لا يمكن التحقق منها في وثائق رسمية، وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكشف عن سبب قوله للرئيس الأميركي باراك أوباما إنّه يعرف أن الجيش السوري لم يطلق صواريخ معبّأة بغاز السارين. ولكن إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، ويعتقد أنها جاءت من موسكو، فإنّ روسيا لم تبع ذلك النوع من الذخيرة لسوريا.
ويرسم الكاتب سيناريو بناءً على هذه المعلومات، يقول فيه إنّ كميات كبيرة من الأسلحة السوفياتية الصنع وقعت بعد سقوط نظام القذافي عام 2011 في أيدي جماعات متمردة ومسلحين قريبين من تنظيم القاعدة، وظهر العديد منها لاحقاً في مالي وفي الجزائر وسيناء.
ويخلص فيسك إلى القول إنّه ليس ثمة شك في أنّ سوريا تمتلك كمية كبيرة من الأسلحة الكيميائية، إلا أنّه إذا كان الروس قادرين فعلاً على تحديد العلامات على قطع حطام الصواريخ التي عثر عليها في الغوطة، وإذا كانت تلك فعلاً من ذخائر لم تصدّر إلى سوريا، فإنّ ذلك سيعطي دفعة قوية لدمشق للدفاع عن نفسها والقول ببراءتها.




خبراء أجانب يُشكّكون

لم يُقطع النزاع بشأن حقيقة ما حصل فجر ٢١ آب. ووسط تقاذف الاتهام على وقع نشر تقرير الأمم المتحدة بشأن استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة. وفي اتّصال مع «الأخبار»، استغرب القائد السابق لفوج الدفاع الكيميائي في الجيش البريطاني، هاميش دي بريتون ــ غوردون، «التناقض الكبير في نتائج الاختبار بين العينات البشرية والبيئية في المعضمية». بريتون ــ غوردون الذي قرأ تقرير الأمم المتحدة بتمحّص؛ لأنه يُشرف على تعليم أطباء الإسعافات الأولية في الغوطة عبر منظمة غير حكومية، تحدّث لـ«الأخبار» عن احتمالين لا ثالث لهما لتفسير غياب الأدلة في العينات الطبيعية وانحصاره في العينات البشرية، فقال: «كون العينات البيئية والبشرية لم تكن متشابهة في الإصابة بالسارين، قد يعود إلى وجود عشرات الأشخاص الذين كانوا يتجولون في الموقع وينقلون الأدلة. وربما جُلب هؤلاء المصابون من مناطق أُخرى. ولا يوجد تفسير آخر». وذكر أن «سمّ السارين يمكث بين ٣٠ و٦٠ دقيقة في جسم الإنسان الذي يتعرض للإصابة المباشرة به. ويمكن أن يبقى تأثيره على الملابس أياماً عدة (وهذا ما يُفسّر سبب ارتداء عمال الإغاثة قفازات وكمّامات) ويمكن أن يبقى أشهراً وربّما سنوات في البيئة». في موازاة ذلك، وفي تقرير نُشر قبل أيام، طرح الخبير الكيميائي دان كاسزيتا، الذي يحمل الجنسيتين الأميركية والبريطانية، مجموعة تساؤلات. كاسزيتا الذي كان قد خلُص إلى استعمال السارين في الغوطة استناداً إلى العينات البيئية والطبية التي قدمها فريق الأمم المتحدة، أشار إلى أن الفحص المباشر لـGB/Sarin في الدم لا يُعدّ طريقة موثوقة للتشخيص. وقال إن فحص ٣٦ مصاباً فقط «لا يُمكن أن يُعَدّ دليلاً علمياً». كاسزيتا أشار أيضاً إلى أن «إفادة الناجين بالأعراض وعلامات الإصابة الكيميائية التي رأوها ليست مألوفة بالنسة إلينا». وأعطى مثالاً انقباض حدقة العين. وبالنسبة إلى مصابي الغوطة، ذكر أنّه عُثر على ١٥٪ بينهم مَن يعاني من العوارض المذكورة مقارنة بـ ٩٩٪ من الناجين من الهجوم بالسارين في طوكيو عام ١٩٩٥. وأبدى كاسزيتا استغرابه لوجود انقباضات سريعة ورجفان لدى المصابين فقط وغياب العوارض البسيطة كانهمار الدمع أو نزول سوائل من الفم. في الغالب، رأى كاسزيتا أن فقدان الوعي يُعدّ أحد دلائل التسمم بغاز الأعصاب التي تسبق الموت، لكنه ذكر أنّ ٧٨ من المصابين فقدوا وعيهم، سائلاً: «هل من الممكن أنّ يكون ذلك سببه تعرض مزدوج للإصابة؟ وربما تعرّضهم لمواد أُخرى أُضيفت إلى السارين؟ أنا لا أقول إن السارين لم يُستخدم. بالتأكيد استُخدم. وجهة نظري تقول إن هناك احتمالاً بحصول استخدام مواد إضافية إلى جانب السارين، أو ربّما تغيّرت تركيبة السارين التي كنّا نعرفها في الماضي».