«هلأ نزلت من المي»؛ رد متعجلاً بعد ان كانت اخباره قد انقطعت لايام وهو متوجه الى مصر. هكذا، عندما وصل إلى وجهته في ايطاليا، وما أن رأيت ايقونته خضراء مضاءة بجانب اسمه على حساب الفايسبوك، حتى سارعت للاطمئنان عليه «طمني كيفك؟». وفراس، وهذا اسمه، لم يبلغ عامه العشرين بعد، لكنه واحد من اصدق اصدقائي وأطيبهم. لصغر سنه كنت دوما أمازحه قائلا «أخوي الصغير»، رغم أني كنت اعلم انه يريد أن يكبر بسرعة كي يتخلص من هذه الصفة التي تزعجه. في مخيم اليرموك حيث كنا جيرانا، لم يكن يشغله سوى أمران: مستقبله وحبيبته. كنت أمضي ساعات طويلة في الليل برفقته احاول الاجابة على اسئلته في شتى الأمور باعتباري بمقام أخيه الكبير وصديقه. لكن الآن كل شيء اختلف! فقد بعثرتنا جميعا ًنكبة المخيم واصبحنا نتحادث كتابيا ً ولا نرى وجوه بعضنا، اكتشفنا اننا لا نستطيع مهما حاولنا بالكلمات وحدها، ايصال شعورنا بـ «السأم» الذي يغمرنا من حالتنا التي طالت. منذ فترة كان يحدثني عن حيرته وخشيته على مستقبله، فهو نجح مؤخرا ً في امتحان الشهادة الثانوية وبدأ بالبحث عن جامعة تلبي طموحه بأن يكون مهندسا في انظمة الحواسيب التي يحب. ولكنه ايقن أن الكارثة التي تعصف بسوريا، مستمرة، ولا حل قريبا لها.


بعدها وبشكل مفاجئ أبلغني قراره بالسفر إلى اوروبا: «حجزت ع مصر بالطيارة ومنها ع ايطاليا وبعدها ع أوروبا». وحسم أمره «بدي ساعد أهلي والحق مستقبلي. هون ما في أمل». كانت كلماته قوية وحازمة يشوبها- لأني اعرفه تماما- قلق خفي خلاصته «ماذا لو فشلت؟». بدت الخطة سهلة، ولكن؛ صحيح، ماذا لو فشلت خطته البريئة بالوصول إلى ارض احلامه؟ ومن سيتحمل مسؤوليتها؟ قد أكون انا الذي اقنعته بأن حياة الفلسطيني أشبه ما تكون بمغامرة وجودية «اما أن تكون أو لا تكون». حدثته عن صناعة المستقبل واعتداد الفلسطيني بـ»اختراع الامل» وهو الآن يسبقني في اكتشاف صدق هذه النظرية! ولكن فراس اليوم لم يعد صغيرا. هذه هي الحقيقة؛ وها هو يتجاوز الكلمات والاشعار وسنوات عمره القليلة ويبحر في مغامرته الأولى بجرأة مفاجئة لولد مهذب. أصبح الآن على شواطىء ايطاليا سالما مع اصدقائه وحرا مني ومن نصائحي واشعار «درويش»، متحررا من الانتظار وسط الخراب الذي يعم البلاد. لقد افلحت دعوات أمه بالنجاة من البحر الذي ابتلع الكثيرين قبله مع احلامهم، عن بيت هادئ وزوجة شقراء. ورغم ذلك لم تخفي دموعها وقلقها على ابنها الوحيد. يحاول ابو فراس تهدئتها «الحمد الله وصل بالسلامة»، يقول. ويتابع «ما عاد صغير، ابنك صار زلمة، شومالك؟». ثم يهمس لنفسه «صار زلمة. رح يدير بالو على اخواته الاثنتين من بعدي».
الله وحده يعلم كيف استطاع تأمين المبلغ الكبير لمغامرة ابنه. ربما كان ذلك كل ما تبقى من مدخراته. اضاف عليها ثمن حصته في بيت العائلة أو استدانه بالكامل من بعض الاصدقاء واقارب العائلة. ومهما يكن فثقته كبيرة بفكرة ابنه عن المستقبل الذي يشتهيه خلف البحر، حيث يقف ابنه الآن على الضفة الأخرى، ناجيا، وحاملا ثقل مسؤولية العائلة على كتفيه الطريتين، والخشية من تخييب ظن والده. رحت اتساءل: كيف أصبح رجلا بهذه السرعة؟ تركته في المخيم صبيا يتلعثم في الحديث خجلا. كنت أحب الاستماع إليه وهو يحكي عن تجاربه البريئة في العشق وعن احلامه، كما اعتدت رؤيته وهو يرتدي زيه المدرسي حاملا كتبه خلال عودته منها وقت الظهيرة.
والآن؟ اتخيله يمشي حاملا ً حقيبته على ظهره وقد صلب عوده كما يليق بفتى مغامر يسير على ارض جديدة بين أناس يلتقيهم للمرة الأولى يتحدثون لغة غريبة عنه. ولكن بحر الدماء الذي غرقت فيه سوريا كلها ومخيمه الذي يحب، والأخبار المتلاحقة والمؤلمة عن اعتقال أو استشهاد صديق أو قريب، الظلم الواقع على الناس ضحايا الصراع الذي يبدو أنه لن ينتهي بين مؤيد ومعارض، والخطة الدقيقة التي رسمها لمستقبله أصبحت الآن هناك مستحيلة. كان يحدثني عنها منذ اشهر، عندما كان لا يزال مراهقا حائرا. ولكنه كبر بعدها! لا اعلم ربما كبر فجأة خلال الايام الأخيرة ليصبح رجلا ً ويتخذ القرار «سأنقذ ما يمكن انقاذه».
فراس واحد من مئات الشبان وحتى العائلات الفلسطينية التي كانت تسكن المخيمات في سوريا، والتي ضاقت بها سبل الاستمرار والحياة في الجحيم الذي تمر به سوريا وطنهم الثاني الذي كان جنة لهم. اكتشفوا، بمرارة عميقة، ان حدود الدول العربية «الشقيقة» مغلقة في وجههم «لدواع ٍ أمنية»! فكان خيارهم ان يتحملوا مشقة المخاطر عبر البحر والمرور التفافا حول ربع الكرة الأرضية للوصول إلى ملجأ جديد. ملجأ يختاروه هم؛ ويقبلهم بدوره، تاركين خلفهم قلوب اهاليهم القلقة لا يعزيها غير ان اولادهم «نفذوا» من الجحيم، تماما كأهل صديقي فراس. في المحادثة الخاطفة التي تحادثنا فيها اخبرني أن أهله في سوريا لا يجيبون على اتصاله، وطلب مني أن اكتب رسالة لهم على صفحة الفايسبوك الخاصة به. كنت اعرف ان رحلته لم تنته بعد. ولكني لم اجد رسالة أوضح من هذه الكلمات «إلى جميع الاصدقاء والمحبين .. لقد وصل فراس بالسلامة إلى شواطئ ايطاليا».




خلال العام الحالي، قضى العديد من الشبان الفلسطينين السوريين غرقاً في البحر الأبيض المتوسط عندما كان يحاولون الهرب إلى اوروبا للبحث عن حياة جديدة، ورغم ذلك لا يزال الكثير منهم يحاول. ومؤخراً تم اعتقال 81 سوريا وفلسطينيا، بينهم اطفال ونساء، كانوا يحاولون الفرار بحرا من جهنم الصراع السوري، وهم محتجزون الآن في سجن في مدينة الاسكندرية، وفي ظروف انسانية قاسية، وذلك بتهمة «الهجرة غير الشرعية»، ومهددون باعادتهم إلى سوريا ليواجهوا من جديد الظروف المرعبة ذاتها التي هربوا منها.