(سومر سلام)

«لن تعبر»! يقولها الحاجز، لي، على باب مخيم اليرموك. يرميني الجندي بنظرة غضب، وببندقيته يلوح لي: «ابتعد لن تعبر»! بكل برودة أعصاب يقولها الموظف على حدود مصر، حدود لبنان، حدود العالم. حتى حدود المدى، يرمي الوثيقة بوجهي، ويطردني بإشارة من يده: «ابتعد .. لن تعبر!»، يقولها البحر لي، يرتفع موجه حتى يبتلعني: «مت أنت أو ابتعد». تلك الوقائع لم تكن كابوساً يعصف بليلي. إنها تفاصيل صوري، كما قالت الجريدة اليوم. في الخبر الأول: «قصف عنيف على مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين مع استمرار إغلاق الحاجز عند مدخل المخيم». بمدفع لا ببندقيته، هذه المرة، يزجرني جندي الحاجز: «قلت لك لن تعبر»! في الخبر الثاني: «خفر السواحل المصرية يلقون القبض على لاجئين فلسطينيين، ويودعونهم سجن كرموز في الإسكندرية، ومناشدو اللاجئين الفلسطينيين من أهالي المحتجزين داخل معتقلات الأمن المصري لحل قضيتهم بسبب سوء حالة الأطفال والنساء الصحية والجسديه». الآن أشعر بوقع الوثيقة وهي تصفع وجهي، يصرخ راميها مجدداً: ألم أقل لك؟ لن تعبر!

في الخبر الثالث: «أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين تقصد أوروبا، وكثير منهم يفارق الحياة قبالة الشواطئ الإيطالية». أشعر ببرودة البحر المتوسط تجتاح الآن دمي، وأسمع صوت البحر يقول لي: ألم أقل لك لن تعبر، فلم متَّ فيّ ولم تبتعد؟
في أخبار الجريدة يسقطون أسامينا ويسموننا «لاجئين». يحتفون بنا في أخبار القادة على الصفحة الأولى. يكتبوننا شعراً للصمود في صفحاتهم الثقافية، ثم يقتلوننا، بقوانينهم، في صفحة المحليات، ففي هذه الصفحة ممنوع أن نعيش.
لن أعبر صوب الجريدة.. ولن أعبر منها. هذه المرة أقولها، أنا، لي... أغادر صفحات الجريدة، وأنا أتمتم: أيا وحدنا.. ولا أحد معنا.
أمد يدي لأطمئن إلى وجود الوثيقة قريباً من صدري، وأبتسم حتى يعبسون، فهذه البطاقة التي تؤرق حياتهم، هي شهادة أني مؤقت ما دامت معي، وهي شهادة أني يوماً ما سأعبر وأصير الدائم. أيا وحدنا. سنعبر يوماً نحو ما نريد. أمضي خارج صفحات الجريدة بكامل قواي العقلية، أنقلب على صوري الغارقة بالدم فيها، وأفتش عن قلب لأعبر صوبه، أتزمل بحبه، وأبحث فيه عن صورة لي بكامل وجودي الإنساني البسيط، لا الأسطوري المفترض كما صنعته القصائد.
على حافة القلب، أفرد بضاعتي: لا أريد أن أن أكون خبراً عاجلاً إلا يوم تسرقني اللهفة إليك. أريد لشوقك أن يصلبني، لا الانتظار على أبواب المطارات. أريد منك ولداً يجعلنا جدين، لا يسكن نشرات الأخبار والملصقات في عيد الشهداء. أنا المؤقت أحلم بأن أصير الدائم بين يديك.
لا يملك اللاجئ، أنا، إلا قلباً صادقاً وحنوناً يؤمن بكِ. ولا أريد منكِ إلا أن تكوني لي الملجأ، وأنا لكِ المتراس، وأنا لكِ الرصاصة الأخيرة، فزمليني بسكينة وجهك، لأزملكِ بعمري.
يقول القلب: أتحتلني، وأنا ابن الحرية؟ أجيبه: بل أحلم بطهر قربك يا قلب، لنطير معاً، ونحلق، ثم نعبر. وحدها السماء، يا قلب، تسمح للفلسطيني بأن يعبر.