الجزائر | ضمن حقيبة ظهر وردية اللون، وضعت أوراقي المهمة مستذكرة إرشادات حالات الطوارئ التي تلقيتها في أحد مراكز مخيم اليرموك في وقت مضى. وقت لم أعِ فيه أنني سأتّبع هذه الإرشادات حقاً يوماً ما. وزعت بعض الأغراض الأخرى في حقائب متنوعة تشاركتها مع أختي وأمي، كانت إحداها مخصصة لأدوات الرسم.

أذكر أن كل شيء حدث على عجل، وأنني لم أكترث تماماً لما سآخذه معي. كل الأشياء كانت تفقد معانيها، ولم يلفت نظري أبداً أي شيء، كنت أردد في نفسي: ما قيمة الأشياء مقابل أناس يفقدون حياتهم أو حياة عزيز عليهم، ليس ببعيد عن منزلنا.
لم أتوقع حينها أن رحلتنا ستطول سنوات عديدة، وأن الليل سيعيد تكرار هذا المشهد في رأسي مرات ومرات. تكرار عنيد متواتر لأعيد توضيب الأشياء من جديد: صورنا بكاميرا أبي التي رافقتنا منذ طفولتنا والتي نسيناها في غفلة منا، أو بسبب التوتر من القذائف التي تساقطت حولنا. منحوتات والدي، إنتاجه الفني على مدى ثلاثين عاماً من البحث المستمر في خدمة القضية، خزفيات أمي التي صنعتها بكثير من الإتقان والحب على مدى سنوات...
لم تعد هذه الأشياء موجودة على أرض الواقع. ذكرياتها فقط هي ما يدور في رأسي. هذا ما أكدته بعض الأخبار التي نُقلت إلينا عن منزلنا في اليرموك وكذلك بعض الصور من مشغل والدي في الحسينية/ دمشق، حيث تمت سرقة كل ما يمكن بيعه، وتكسير ما تبقى من أدوات وأعمال.
لقد كان مشغل والدي من أهم مشاغل سكب البرونز في المنطقة، بناه عبر سنوات عديدة بتأنٍّ، موزعاً في زواياه تفاصيل محببة من نباتات ومنحوتات أكسبت حديقته مع مرور الوقت جمالاً مريحاً، كما اكتسب سمعته في إتقان تحويل المنحوتات إلى البرونز بين عدد كبير من الفنانين العرب، فكان المشغل كذلك مكاناً للقائنا بهم، واجتماعنا كأسرة، نفضله عن أي مكان آخر.
هناك أيضاً تعلمت أنا وأخوتي منذ صغرنا تشكيل الطين ومراحل تحويله إلى خزف، إلا أننا وفّرنا ألوان الخزف الأثمن والأجمل لنستخدمها عندما يصبح عملنا متقناً وأهلاً لذلك، فإذ بنا لا نستخدمها مطلقاً.
كان كل من البيت والمشغل مخزناً لكل ما يمكن أن ينتجه ويجمعه والدان محبان للجمال والكتب. وأعلم حين أعيد ترتيب الأحداث في ذهني أن لا شيء كان يمكن أن يحول دون حدوث ما حدث، وأن الكثير من الفنانين الآخرين قد فقدوا أعمالهم، وآخرون مكتباتهم. لكن غيرنا قد فقد ما لا يُشفي فقدانه. لا يمكن لحياتنا أن تتسع في حقائب. أصبحت لا أميل إلى اقتناء أي شيء، لا الكتب الورقية ولا الملابس الكثيرة. وما زلت لا أجرؤ على إنجاز رسومات تتعدى مساحة (الماسح الضوئي / السكانر).
لكن والدي لم يتوقف عن النحت أبداً...