غزّة - لم يخطر ببال حركة «حماس» أن تصحو يوماً ما على أصوات دبابات الجيش المنتصر في حرب «أكتوبر 1973»، وهي تجتاز بوابة رفح من دون سابق إنذار، لكنّ التحوّلات الكثيرة التي أصابت سندها وظهرها الأساسي في مصر، قلبت كل المعادلات والفرضيات، وألغت مصطلح «غير المتوقع» من قاموسها. اليوم، بات الباب مشرعاً أمام كلّ الاحتمالات، وتحديداً مسألة الحسم العسكري، فما عادت «حماس تواجه عدوّاً من اتجاه واحد.


ثلاث جهات اتفقت على أن تقتلع «الإرهاب الحمساوي» من جذوره، وأن تحوّل أرضه إلى بيئة خصبة للاستقرار والأمن الدائم مع العدو الإسرائيلي، كما هو الحال في الضفة الغربية نسبياً. إسرائيل ومصر وسلطة رام الله؛ اتفق ثلاثتها على ضرورة محاصرة «حماس» وإرغامها على الاستسلام، مقابل تنصيب شخصيات موالية للجيش المصري، ان لم تكن تابعاً له.
أولى هذه الجهات، مصر، التي لا تشعر بأمان حدودها الجنوبية، كما كانت تشعر قبل أن يتهاوى حكم «الإخوان المسلمين»، حيث أشعل جيشها حربه على الجماعات المسلحة في سيناء، متوعّداً «حماس» بالحسم العسكري. ترافق كلّ ذلك زيارات شبه دورية من أطراف أمنية إسرائيلية لمصر، لضرب كلّ عمليات التسلّل والتهريب بيد من حديد.
العثور في سيناء على ملابس وقنابل مختومة بتوقيع كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة «حماس»، كان ذريعة كافية للتلويح بضربها من جديد، «وقطع أقدامها» إن عاودت انتهاك السيادة المصرية.
وزير الخارجية المصري، نبيل فهمي، كان جريئاً بما فيه الكفاية، وتوعّد برد قاسٍ لو تمادت «حماس» في عبثها بأمن مصر القومي. ردٌ لن يتوقف عند منغصات حياة أهل غزّة اليومية كشحّ الوقود ومعبر أصبح إغلاقه حدثاً طبيعياً، وفتحه حدثاً استثنائياً بامتياز؛ بل سيذهب إلى خيارات عسكرية أمنية لا تعرف ماهيتها «حماس» غير المالكة لجيش دولة لها سيادتها واستقلاليتها، فكلّ ما تعوّل عليه لو جُنّ جنون مصر وسعت إلى حسم امتدادها الإخواني، هو ساعدها الأيمن المتمثّل في جناحها العسكري، الذي كثّف من عروضه العسكرية في الآونة الأخيرة. تصريحات فهمي عدّها المعارضون لحركة «حماس» حقاً طبيعياً لمصر، وردّاً معقولاً على حشر «حماس» نفسها في الشؤون المصرية الداخلية، وعدم تراجعها عن رفع إشارة «رابعة» في كلّ مسيراتها، وتخصيصها ساعات طويلة من البثّ المباشر على فضائيتها الرسمية «الأقصى» لرفض خيار جلّ الشعب المصري في التحرّر من قبضة «الإخوان».
وبقدر ما تكنّ «حماس» حقداً دفيناً للجيش الذي أزاح رمز شرعيتها محمد مرسي عن الحكم، وإن كانت تتجنب المجاهرة بذلك، فهي تحاول جاهدةً أن تتعامل بحنكة سياسية مع ما تشهده الساحة المصرية الآن، عبر تصريحات إعلامية رخوة ودبلوماسية نسبياً، لسبب بسيط؛ فبعدما خسرت «حماس» الحضن الإيراني والسوري، ونعت جماعتها في مصر، لن تمنح الجيش المصري فرصة لتوريطها أكثر، ولشرعنة حرب ضدها، لذلك تحاول التزام الصمت قدر الإمكان. ويبدو أن ثمّة إجماعاً في صفوف القيادات الحمساوية على عدم البوح بأخذ التهديدات المصرية على محمل الجد، لتجنب خسارة الطرف الحاكم الحالي.
ويقول القيادي الحمساوي يحيى موسى لـ«الأخبار» إن «التحشيش السياسي الصادر من نبيل فهمي لا يعبر عن قيم واستراتيجيات، بل عن ناس مقهورين يريدون جرّ «حماس» نحو الصراع والاقتتال مع الجيش المصري»، مشددّاً على أن «حماس» لا تستند في سياستها ورؤيتها إلى ردود أفعال محللين استراتيجيين إسرائيليين يطرحون حسم مصر العسكري لغزة كحقيقة من الواجب تصديقها. وأضاف: «كل الأحاديث عن احتمالية الحسم العسكري تستدعي الضحك، فالاحتمال الوحيد الذي نضعه في الاعتبار، حينما تطلب منا مصر الوقوف معها ضد أعدائنا، جيش القسام في الداخل والخارج سيلبي هذا النداء وسيحمي أمن مصر وسيادتها».
وبالنسبة إلى خصم «حماس» السياسي في رام الله، فهو يعلن صراحةً عدم توفيره أيّ فرصة تمكّنه من دخول غزة على ظهر دبابة مصرية، كما يشدّ على أيدي الجيش المصري بإحكام قبضته على غزّة، وعدم سماحه بفتح معبر رفح طالما حرس محمود عباس الرئاسي لا يسيطر على مجريات الأمور هناك. تصاعد هذا النهج الذي يستهدف «حماس»، الى أن وصل إلى الحديث عن مصالحة تجمع عباس مع القيادي الفتحاوي محمد دحلان كشرط أساسي لمنح مصر الضوء الأخضر لبدء تنفيذ عقوباتها الصارمة ضد «حماس». وحول التصريحات الفتحاوية الداعمة للخيار العسكري وإسقاط حكم «حماس»، قال موسى: «أصوات النشاز التي تعدّ وكيلة الاحتلال، لا يُستبعد أن تدلي بتصريحات غير مسؤولة تحرض على غزة وتؤلّب الرأي العام ضدها»، مؤكداً في الوقت نفسه أن مقاومة غزة التي استطاعت أن تجابه العدو الإسرائيلي في حربين ضروسين شُنتّا ضدها، قادرة على صدّ أي عدوان محتمل من أي جهة كانت، فيما ينفي عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، فيصل أبو شهلا، في حديثه مع «الأخبار»، أن حركته تعدّ عدتّها بالتواطؤ مع مصر والاحتلال الإسرائيلي للنيل من «حماس» وصرفها من الحكم، قائلاً: «خلافاتنا مع «حماس» لا تعني تأييدنا لحل عسكري معها بهدف إخضاعها وإسقاطها. لا حل في الأفق سوى قرع جدران المصالحة، والتمهيد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية». وأظهر أن المواقف التي اتخذتها «حماس» بخصوص ولائها التام لسياسة «الإخوان» ، أجبرت مصر على التعامل معها وفق عقليّة أمنيّة بحتة.
أما البعيدون عن توجهات ورؤى «فتح» و«حماس» على حد سواء، فيقرّون بأن سيناريو الحلّ العسكري فرضيّة تحتمل الخطأ على الدوام، ويقول المحلل السياسي، هاني حبيب، لـ«الأخبار»: «ليس من مصلحة مصر والاحتلال وسلطة رام الله إعلان الحرب على قطاع غزة، فمصر رجعت إلى حضنها العروبي ودورها القومي بعد نجاح ثورة «30 يونيو»، وكل الأحاديث عن نيّة مصر ضرب رأس المقاومة في غزة باطلة»، متسائلاً باستنكار: «أين هي المقاومة في غزة؟ هل منعت مصر «حماس» من إطلاق الصواريخ على إسرائيل؟ أم نحن اعتدنا المتاجرة بالمقاومة بعدما أتقنّا فن المتاجرة بالدين؟». وأكد حبيب أن «حماس» لن تتزحزح عن كرسي الحكم في غزة شبراً واحداً، موضحاً أن كل التشويشات والتقوّلات لا تثير الذعر في نفسها، لكونها تحكم قبضتها على غزة إلى أبعد حد ممكن.


يمكنكم متابعة عروبة عثمان عبر تويتر | [email protected]