لم يكن «أبو عائد» يتصوّر، حين خرج من بيته في يافا عام 1948 إلى بنت جبيل، ثمّ إلى مخيم اليرموك قرب دمشق، حاملاً مفتاحاً، وصرّة من الثياب والذاكرة، أن فلسطين ستبتعد عنه كل يوم، وعن أولاده وأحفاده، عن أهلها الأصليين. وأن البحر نفسه الذي أتى ويأتي بالمستعمرين، سيرحل بنسله إلى بلاد الله الباردة.
هناك في شمال أوروبا، في السويد، يتعلّم حسين، حفيد «أبو عائد»، لغة الموطن الجديد والولاء إليه. يتعلّم كيف يخضع لقوانينه، ويعتاد رائحة ترابه، وينسى من كان، وماذا كان، وما هي بلاده الأصلية.
يصر الثمانيني على إشعال سيجارة مكسورة في أحد مراكز إيواء المهجرين من بيوتهم إلى دمشق. عبثاً يصل الدخان إلى صدره، ليقتنع فيشعل غيرها. يروي «أبو عائد» كيف خرج مع أسرته ووالده الحاج أبو خالد، تاجر الأغنام، هرباً من عصابات اليهود إلى دمشق. كانت دمشق محطة مؤقتة بالنسبة إلى الوافدين، في انتظار تدخل «الجيوش العربية» فيعودوا إلى بيوتهم، قبل أن تصدأ المفاتيح، وتهترئ. سقط رهان الفلسطينيين على «الجيوش العربية»، وسقط من بعده رهانهم على «الفصائل»، ثم أبت الحرب السورية إلّا أن يدفع الفلسطينيون فاتورتهم منها، كما دفعوها في لبنان والأردن والعراق. قبل شهر، رفض الشيخ العنيد الشتات الجديد في السويد مع أبنائه وأحفاده، «بَتْرُك سوريا وبَروح اتشنشط عشان موت بعيد؟ بموت هون أقربلي، هنن بدن يزبطوا حياتهم، أنا شو عندي؟».
مع بداية الأزمة، بدأ فلسطينيو المخيمات السورية بالرحيل، إلى أي مكان، خارج الجحيم الجديد. لم تعد مخيمات اليرموك والحسينية (قرب الحجيرة في ريف دمشق) والسيدة زينب وخان الشيح ومخيمي حندرات والنيرب في حلب وغيرها، في منأى عن التهجير. بل يقول بعض الفلسطينيين في مركز الإيواء، إن «التهجير كان عملية منهجية لإبعادنا عن أرضنا قدر المستطاع»، خصوصاً في مخيمات ريف دمشق، علّهم ينسون، فينتهي عبء حقّ العودة عن إسرائيل، قدر المستطاع أيضاً.
ودفع هجوم المعارضة السورية المسلحة قبل تسعة أشهر على مخيم اليرموك، أكبر مخيمات الشتات في سوريا، بعدد كبيرٍ من أبنائه إلى المغادرة على عجل، وإلى أوروبا الشمالية تحديداً، في رحلة البحث عن «الحلم السويدي». وتشير تقارير جمعيات أهلية فلسطينية تعمل على رصد هجرة الفلسطينيين السوريين، إلى أن «العدد التقريبي لمن وصلوا إلى الدول الاسكندنافية وألمانيا بطرق غير شرعية، بلغ 24700 فلسطيني ضمن عائلات أو أفراد، غالبيتهم من سكان اليرموك، ويتركّز العدد الأكبر الآن في السويد». في حين، تقول مصادر دبلوماسية فلسطينية لـ«الأخبار» إن «ألمانيا والسويد استقبلتا عدداً غير قليل من فلسطينيي سوريا منذ بداية الأزمة، وفي كل فترة يعلنون عن أرقام جديدة لاستقبال لاجئين جدد، آخرها اعلان ألمانيا نيتها استقبال خمسة آلاف لاجئ جديد بشكل غير علني».

السبيل إلى السويد

بعض الملابس وأوراق وصور قديمة، و«تحويجة» العمر. لن يحتاج المهاجر أكثر من ذلك. بعد شهرٍ تقريباً، يمزّق جواز سفره إن كان يحمله، ويسلّم نفسه للأمن السويدي، وبعدها «الله بيدبّر». هذه ليست رحلة نقاهة، إذا وطأ السويد سالماً، سيقول «أعيش عُمري عمرين».
الطريق إلى السويد محفوفٌ بالمخاطر. هي مغامرة الهروب من الموت المحتم، إلى الموت المحتمل. وسواء اخترت الطريق الأصعب والأخطر، أي عبر مصر ثمّ البحر المتوسط فإيطاليا، أو الطريق الأغلى عبر تركيا ثم أوروبا برّاً، فإن السبيل يطوّقها الذّل، من أولها إلى آخرها.
بقيت بيروت المحطة الأولى في المعبر المصري لفترة طويلة من عمر الأزمة. وما يحتمله الفلسطينيون السوريون في لبنان هو أهون الشرور، بالمقارنة مع «زعرنة» الأمن المصري والإيطالي. يدخل الفلسطينيون المهاجرون لبنان بصورة شرعية عموماً، قبل يوم من موعد إقلاع طائرتهم المتوجهة إلى القاهرة عبر المعابر الحدودية بين لبنان وسوريا. ويروي مهاجرون لـ « الأخبار» بأن أقل فترة انتظار على الحدود اللبنانية هي ست ساعات، و«لو كان أبو زيد خالك». لا مفّر من الذلّ. ومن المطار، إلى القاهرة، ومن ثمّ الإسكندرية.
أما في الفترة الأخيرة، ومع منع لبنان دخول الفلسطينيين السوريين إليه، وانخفاض نسبة الخطر على طريق مطار دمشق الدولي، يوفّر المهاجرون على ذواتهم ذلّاً إضافياً، فيطيرون إلى القاهرة عبر مطار دمشق. لم يرد معظم المهاجرين من لبنان إلّا أن يكون معبراً، لا أكثر ولا أقلّ، فلا أحد يستسيغ أن يعامل في بلد الأرز بالدونية التي يعامل فيها الفلسطينيون السوريون على وجه التحديد، لكن «شو رماك على المرّ؟ الأمَرَّ منه».

«جاي تعمل هنا إيه يا روح أمك»

من الطائرة إلى غرفة التحقيق، إلى «سحاسيح» غليظة من رجال الأمن المصري يظنها المهاجر نهاية العالم. تصل فترات التحقيق إلى يومين. ويتذكر المهاجر ما علّمه إياه الذين سبقوه، بأن الضرب والشتائم والإهانات من المصريين وقت ويمضي، وأن عليه أن يصبر لينال الوصول إلى الجنة، السويد، وأن الإجابة عن «جاي تعمل هنا إيه يا روح أمك» هي «مارق مرقة الطريق». تقول أم محمد، التي أمضى ولدها وشقيقها 20 ساعة في «ضيافة» المصريين، إن ابنها تكسرت أضلعٌ في صدره، وهو لا زال يتلقى علاجاً منذ وصل إلى السويد قبل نحو شهر. وفي إحدى الحكايات، تقول أم محمد إن قريبتها قتلها الأمن المصري بعد إطلاقه النار على المركب، مع فلسطينيَيَن آخرَين، ومن ثمّ رفضت السلطات المصرية في البداية دفن الجثث على أراضيها، وعادت وقبلت بدفن جثّة قريبتها بعد تقديم أوراقها الثبوتية، ولم يُعرف شيء عن الجثتين الباقيتين. ومن لا يريد الأمن المصري إدخاله، يعتقله ويعيده إلى لبنان وسوريا، وفي سوريا يصار إلى توقيفه بتهمة الهجرة غير الشرعية عند جهاز الأمن الجنائي، ومن ثمّ يطلق سراحه بعد أيام. وعلى ما يقول أكثر من مهاجر، تواصلت السفارة الفلسطينية مع من أوقفوا منهم وعرضت المساعدة في «الترانسفير» الى... الأكوادور.
ينتقل المهاجرون من مطار القاهرة إلى الإسكندرية على نفقتهم الخاصة، ثم يبحثون عن بيوت مؤقتة، معظمها يؤمنها المهربون. وهي محطات انتظار تتراوح بين عشرة أيام وشهر، إلى حين اكتمال عدد المهجرين في الدفعة الواحدة. على المهاجرين طبعاً، العيش في الخفاء بعيداً عن عيون الأمن. حسناً، اكتمل النصاب. الاتفاق مع المهرب من الإسكندرية إلى السويد يعني 6000 دولار، مدفوعة سلفاً.
المهمة الآن، الانتقال بمراكب خشبية صغيرة لمسافة حوالي 10 كلم في عرض البحر، ثم الانتقال إلى سفينة حديدية أكبر، لتقطع البحر المتوسط إلى الشواطئ الإيطالية. ينزل المهاجرون إلى السفينة الكبيرة، ويربط المهربون القوارب بالسفينة، لاستعمالها مجدداً قرب السواحل الإيطالية.
رجلٌ ينتشل ابنه الذي قذفه الموج خارج المركب الصغير. فتاةٌ تغرق في قفزة الانتقال من المركب إلى السفينة. شابٌ يتشظى رأسه برصاص خفر السواحل المصري. هذه حكايات وغيرها كثيرة عن مراكب الموت.
وفي رواية أحد المهاجرين العائدين إلى سوريا بعد فشل الهروب وخسارة ماله، إنه كان على أحد الرحلات حين أدى إطلاق الرصاص المصري على مركب إلى مقتل أحد أفراد طاقمه، فاضطر المركب للعودة إلى الشاطئ، اذ «لا يمكن حمل الجثة إلى إيطاليا، لأن الرجل مصري، والأمن الإيطالي سيفتح تحقيقاً». وحتى لا يعود المركب بالمهاجرين إلى مصر، أنزال الطاقم المهاجرين على أرخبيلٍ صغير قبالة السواحل المصرية عند الفجر، ورحلوا، على أن يعودوا في المساء لإكمال الرحلة. لم يعد المركب، وبقي المهاجرون يومين حين اكتشاف خفر السواحل وجودهم، فساقهم إلى التحقيق من جديد. فرّ المهربون بجنى عمر حوالي ثمانين فلسطينياً.
ويقول أحد أبناء مخيم اليرموك في اتصالٍ مع «الأخبار» من السويد، التي وصل إليها قبل أسبوع، إن رحلته وأقاربه كانت مأساة بسبب انقلاب الطقس في البحر المتوسّط. إذ علق مركبهم الذي يضم 400 مهاجر في عرض البحر وسط أمواجٍ عاتية وكان على وشك الغرق، وأن النساء والرجال بدأوا بالدعاء وتلاوة الشهادتين مراتٍ كثيرة من شدة الخوف، قبل أن تكتشفهم مروحيات فرق الإنقاذ الإيطالية وتساهم سفينة روسية في جرّهم إلى الشاطئ.

الأمن النمساوي والحظّ العاثر

لا تتجاوز فترة الإقامة في المعتقل الإيطالي أكثر من أسبوع، لحين الاستعداد إلى العبور عبر النمسا، وهو أسهل الطرق الجغرافية للوصول إلى ألمانيا، ومن ثمّ الدنمارك فالسويد، نظراً لطول الحدود النمساوية المشتركة مع إيطاليا وألمانيا، ووعورة الحدود السويسرية ـــ الإيطالية. لكن الأمن النمساوي بالنسبة للمهاجرين يعني الاعتقال، أو الموت في أحيان قليلة. وتؤكد شهادات مهاجرين وصلوا في منتصف آب الماضي إلى السويد، إن الأمن النمساوي في حال قبض على أي مهاجر، فإنه يعمل على إعادته إلى مصر، أو إطلاق سراحه قرب الحدود الألمانية مع جروح وكسور بالغة. في حين تأخذ الرحلة عبر النمسا بين ساعتين وثماني ساعات، بحسب نوعية النقل، إذ يكلّف استعمال تاكسي 1800 دولار للشخص الواحد، بينما يكلّف 400 دولار في النقل المشترك، ما يرفع نسبة خطر الانكشاف. لكن الالتفاف على النمسا، يعني المرور في أكثر من خمس دول للوصول إلى ألمانيا، ويتراوح وقت الرحلة بين 28 ساعة و36.
تبدو ألمانيا والدنمارك بالنسبة للمهاجرين بوابة الجنة. يكتفي الألمان والدانماركيون بالتحقيق مع المهاجرين لبعض الوقت، ومن ثمّ إطلاق سراحهم مع معرفة وجهة سيرهم. ويقول أحد المهاجرين إن السلطات الألمانية أحياناً تساعد المهاجرين على استعمال الهواتف وطمأنة عائلاتهم في سوريا أو السويد.
ليس سهلاً أن يترك الفلسطينيون خلفهم بيوتهم التي تربوا فيها، وقربهم من فلسطين. لكن هنا، السويديون «ملائكة، والله ملائكة » على حد قول أحد المهاجرين. في بلاد الصقيع، يحظى الفلسطيني بالإضافة إلى الإقامة الدائمة، ببيت وراتب حتى يجد عملاً، ويتعلّم اللغة السويدية، ويُدخل أولاده إلى المدارس، ولا يعيش همّ اللّقمة المغمّسة بالدم. بعد سنوات، سيصير الفلسطيني «سويدياً»، بكل ما للكلمة من معنى. «شو مال حقّ العودة يا أبو عائد؟»، «حبيبي، إذا فيهن خير لبلدهن بكرا بيرجعوا، بيرجعوا متعلمين وأغنياء وأقوياء، وما بينسوا فلسطين، لكن هون، ولا بمية سنة بيرجّعوها».




المخلّص «أبو عرب» والأمن الإيطالي

يبدو الرجل بلا قلب حين يشرح عمليّة اتفاقه مع المهاجرين من سوريا، ومن ثم لقائهم في مصر. أبو عرب فلسطيني سوري، آخر همّه أي شيء سوى جيبه، «ما حدا رح يربّيلي ولادي، مصرياتي باخدهم على داير مليم، واللي بيقدر يروح بلا مهرّب يجرّب، تعبي والمخاطرة بحياتي مو بلاش». هو الآخر لديه أولاد، لكنه لا يهتم كثيراً لأولاد الآخرين. بالمناسبة، التهريب مهنة متعددة الجنسية، إذ يشترك فلسطينيون ومصريون وأتراك ويونانيون وطليان في عملية تهريب واحدة. شبكة من الأدوار يديرها المهربون كلّ في موقعه، ولكلٍ حصته طبعاً.
يقول «أبو عرب» إن للأمن الإيطالي حصته أيضاً، «الأمن الإيطالي أصلاً زي العرب، حرام يكونوا اتحاد أوروبي»! ولا يكتفي رجال أمن إيطاليون بحصتهم من مال المهربين. ينقلون المهاجرين إلى معتقلات، وعلى ما يروي الناجون يتحقق الأمن الإيطالي إن كانت على المهاجرين مذكرات توقيف في مصر أو كانوا متورطين في الأحداث المصرية قبل أن يطلق سراحهم بعد أسبوع من الضرب والإهانات. يدافع الرجل عن «شركائه» الإيطاليين: «يا أخي بيكفي سامحين للفلسطيني يمرق من عندهن، هنن بيعملو هيك كرمال الناس تحسب ألف حساب قبل ما تهاجر». «أبو عرب»، على قسوته، يراه المهاجرون «مخلّصاً». مخلّص، من دون قلب.



طريق تركيا «خمس نجوم»

أصدرت السلطات المصرية منتصف أيلول الماضي قراراً بمنع دخول الفلسطينيين بين عمر 18 و40 عاماً الى مصر، بسبب الأحداث الأمنية التي تعصف بالبلاد. القرار كان بمثابة كارثة بالنسبة للمهاجرين الفلسطينيين من سوريا. وقد ترافق مع سلسلة إجراءات اتخذها لبنان للحد من دخول فلسطينيي سوريا، وقدوم فصل الشتاء، وبالتالي صعوبة استعمال البحر، ما دفع الى تحوّل خط الهجرة إلى الخط البديل عبر الأراضي التركية. إلّا أن العبور عبر تركيا مكلف للغاية، إذ يؤكد مهاجرون إن التكلفة تتراوح بين 11 ألف دولار و16 ألفاً لضمان رشوة الأمن التركي والعبور البري في أكثر من سبع دول، ناهيك عن صعوبة الوصول من داخل سوريا إلى الحدود التركية، إذ يقول أحد المهاجرين إن المعابر الخاضعة لسلطة المعارضة السورية تسهّل خروج الفلسطينيين، في حين تقوم باعتقال السوريين والتحقيق معهم عن وجهتهم، «جماعة النصرة بس يعرفوك فلسطيني بيقولولك يا حرام». أمّا الوقت الذي يمضيه المهاجرون داخل الأراضي التركية، فهو أشبه بالسجن، إذ يفصل أفراد العائلات في غرف خاصة بالنساء وأخرى للرجال، لحين موعد انطلاق «النقلة» في اتجاه الشمال.