مقارنةً مع خطابه من على المنبر نفسه قبل عام، بدا بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة أمس كمن ابتلع ضفادع كثيرة، برغم النبرة الحازمة التي جهد في اصطناعها وإعلانه الممجوج في تكراريته بأن إسرائيل لن تسمح لإيران بامتلاك ما تعلن طهران أصلا أنها لا ترغب في امتلاكه، أي السلاح النووي.

أمكن بوضوح استنتناج أن خطاب المرافعة الاتهامية، الذي ألقاه نتنياهو أمس، ضد إيران ونظامها الإسلامي ورئيسها الجديد، يعبّر عن اعتراضٍ مكبوت.

اعتراض على النهج الأميركي التصالحي المستجد حيال طهران، الذي من شأنه أن يهدم، في ما لو تمادى، هيكل الشيطنة الذي بناه رئيس الوزراء الإسرائيلي لبنةً لبنةً فوق الجمهورية الإسلامية منذ وصوله إلى سدة السلطة في إسرائيل قبل نحو خمس سنوات. آنذاك قاد نتنياهو تحولاً خطيراً في المقاربة الإسرائيلية الرسمية للملف النووي الإيراني تمثل بالترويج لمقولة أن طهران نووية تشكل خطرا وجوديا على إسرائيل، وهي مقولة اقترنت بتشبيه النظام الإيراني بالنظام النازي وبالإنذار من عدم السماح لها بارتكاب محرقة ثانية بحق الشعب اليهودي.
وقد جعل نتنياهو من الخطر الإيراني عنوانا أساسياً لحملته الانتخابية التي سبقت انتخابات شباط 2009، كما أنه سعى بعد تسلمه الحكم في أعقاب ذلك إلى جعل الموضوع الإيراني أولويةً مقدمةً على سائر الاستحقاقات، وعلى رأسها عملية التسوية، من خلال الترويج لنظرية أن معالجة الملف النووي الإيراني تشكل مدخلاً ضرورياً للتوصل إلى نجاح التسوية، في تناقضٍ واضحٍ مع الرؤية الأميركية التي اعتبرت أن إنجاح التسوية هو المدخل لتطويق إيران وعزلها وصولاً إلى إجهاض مشروعها النووي.
وخلال هذه الفترة، تركز أكثر سعي تل أبيب إلى الإيحاء بإعدادها الجدي لخيار عسكري في مواجهة طهران، وهي استخدمت في هذا السياق سياسة الإعلان و/أو التسريب الإعلامي لوقائع عسكرية ذات صلة بالاستهدافات البعيدة المدى (مناورات جوية بعيدة المدى، تطوير صواريخ حيتس 2 و3، عبور غواصات إسرائيلية لقناة سيناء باتجاه البحر الأحمر الخ). إلا أن نقطة الانعطاف الحقيقية على هذا الصعيد سُجلت مع نهايات عام 2011، حين بدأ يُرصد تصعيد إضافي في المواقف الإسرائيلية أخذت في البداية شكل تسريبات إعلامية حول وجود نوايا فعلية لدى القيادة الإسرائيلية لضرب إيران وبلغت ذروتها لاحقا مع المواقف التي أطلقها بنيامين نتنياهو من على منبري «إيباك» والكنيست خلال آذار 2012 وأوحى فيها كما لو أنه حسم خياره العسكري حيال إيران، على الأقل في حال لم تؤدِّ العقوبات الدولية إلى فرملة مشروعها النووي خلال الأشهر القادمة.
وفي محصلة هذه الجهود المتراكمة، نجح نتنياهو في تحقيق جملة مكاسب أهمها:
أولاً: استنفار «المجتمع الدولي» في مواجهة طهران من خلال تعويم ملفها النووي ليتقدم على غيره من الأحداث والاستحقاقات في الأجندة الدولية. وقد كان إيهود باراك، إبان شغله لمنصب وزير الدفاع، صريحا في التنويه بهذه النقطة، حين قال في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي (22/3/ 2012) إن إسرائيل تمكنت من تحقيق «إنجاز مهم جدا، وهو أن العالم أجمع يرى اليوم في التحدي النووي الإيراني قضية ملحّة للعالم وليس لإسرائيل وحدها وهذا ما تتم ترجمته إلى أعمال».
ثانياً: دفع الغرب إلى فرض رُزمٍ قاسية من العقوبات على إيران تتعلق بالحظر النفطي وبالعزل المالي والمصرفي. وقد حصل ذلك خلال فترة قياسية لا تتعدى بضعة أشهر، علماً بأن المطالبة الإسرائيلية بعقوبات «فتاكة» أو «شالّة» ضد إيران يعود عمرها إلى سنواتٍ ولم تكن تجد لها على امتداد الفترة الماضية صدى عملياً. وقد عززت هذه العقوبات الرهانات الإسرائيلية على محاصرة النظام الإيراني شعبياً، خصوصاً أنها تزامنت مع انطلاق الحراكات الشعبية فيما إطار «الربيع العربي».
ثالثاً: انتزاع موقف أميركي صريح ومباشر ضد تحول إيران إلى قوة نووية عسكرية، سواء لجهة إعلان الرئيس باراك أوباما رفضه الحازم لسياسة «الاحتواء» في التعامل مع طهران نووية، أو لجهة تشديده على وجود الخيار العسكري على الطاولة في سياق معالجة الملف النووي الإيراني.
رابعاً: على صعيد عملية التسوية، كان الهدف الذي سجله نتنياهو مضاعفا؛ فهو لم ينجح فقط في إسقاطها من قائمة الاهتمامات الدولية، بل إنه تمكن من فرض سياسة التوسع الاستيطاني في القدس والضفة الغربية المحتلتين من دون أن يواجه اعتراضات أميركية جدية.
من منظور هذا المشهد الإيراني النموذجي بالنسبة لإسرائيل، يمكن فهم أبعاد الإحباط الذي أصاب نتنياهو في الأسبوع الأخير وهو يرى ويسمع التناغم المستجد بين واشنطن وطهران ويشعر بالحرارة الزاحفة إلى خط العلاقات بينهما. إحباطٌ كانت إرهاصاته الأولى قد تبدّت غداة انتخاب الشيخ حسن روحاني رئيساً لإيران، حين كشفت صحيفة «هآرتس» في حينه عن نوبة هستيريا أصابت رئيس الوزراء الإسرائيلي جراء فقدانه للذخر السياسي والإعلامي الذي كان يوفره له النهج المتشدد للرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، لمصلحة نهج «تسونامي الدبلوماسية» و«هجوم الابتسامات والسحر الشخصي» الذي دشّنه روحاني. النهج الذي يفقد إسرائيل ليس فقط المبررات الموضوعية للجوء إلى الخيار العسكري في مواجهة طهران (وأميركا)، وإنما أيضا الإطار السياسي الحاضن للتلويح بهذا الخيار كرافعة ضغوط في وجه الدول الغربية.
والأدهى بالنسبة لنتنياهو أن معركة «لجم الانزلاق الأميركي في المنحدر الإيراني» (على حد تعبير أحد المعلقين الإسرائيليين) التي توجه إلى الولايات المتحدة لخوضها تبدو، مسبقاً، محدودة الإنجازات، إن لم تكن محكومة بالفشل. ولعله أدرك بعد اجتماعه بالرئيس الأميركي أن أي خطاب سيلقيه من على منبر المنظمة الدولية، مهما كان دراماتيكياً، ليس بمقدوره أن يؤدي إلى انقلاب في المواقف الأميركية حيال إيران روحاني.
ويمكن الافتراض أن نتنياهو بات يخشى، وهو يشاهد برج طموحاته وإنجازاته الإيرانية يؤذن بالانهيار أمام ناظريه، أن يكون الوقت قد حان ليدفع ثمن أخطائه التي ارتكبها في أثناء كدّه المحموم لبناء هذا البرج. فهو يدرك أنه في مكان ما، إبان معركة التحشيد الدولي ضد طهران، شدّ الحبل أكثر مما ينبغي. فهو ركز على تهديد الغرب والأميركيين، أكثر مما عمل على إقناعهم. وفي الوقت الذي كان يمارس فيه سياسة حافة الهاوية في مواجهة إيران، مشى على الحافة نفسها في تعامله مع الولايات المتحدة، الحليف الإستراتيجي الأول لإسرائيل. وخلال محاولته فرض خطوط حمر على الرئيس الأميركي بدا نتنياهو كمن يتجاوز هو نفسه الخطوط الحمر في العلاقة التقليدية بين إسرائيل وراعيتها الأميركية. فهو بالغ في محطات عدة بالانتقاد الموارِب الذي كاله ضد سياسة البيت الأبيض الإيرانية، كما أنه لم يتورع عن التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة عبر تأييده العلني لمنافس أوباما، ميت رومني، فضلاً عن أنه لم يجد حرجاً في الظهور بمظهر من يسعى إلى جر الولايات المتحدة، الخارجة توّا من حربين استنزفتا اقتصادها ومجتمعها، إلى حرب جديدة مع دولة عظمى إقليمية بحجم إيران.
وفي السياق نفسه، ثمة مكان لنقاش بمفعول رجعي يمكن المرء أن يخوضه حول الخلفية الحقيقية لسياسة حافة الهاوية التي مارسها نتنياهو إزاء المجتمع الدولي على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة. فحتى الآن، ليس بمقدور أحد أن يجزم في ما إذا كانت التهديدات التي أطلقها بوتيرة جنونية خلال هذه الفترة بمهاجمة طهران حقيقية أم أن خلفيتها الفعلية كانت التخطيط المبيت لمقايضة الهجوم المزعوم بالتزامات دولية صارمة حيال إيران تبعد شبح الهجوم الإسرائيلي ضدها. إلا أن المؤكد أنه في اختبار النتيجة، اتضح أن نتنياهو، في نهاية المطاف، لم يهاجم إيران، كما أنه لم يتمكن من صرف التهديدات ضدها كما كان يخطط. اختبار النتيجة هذا ينطوي على حقائق تشير إلى أنه خلال فترة ولايته التي تعد الأطول والأكثر استقرارا لرئيس وزراء إسرائيلي منذ أكثر من عقدين، فشل نتنياهو في إحباط البرنامج النووي الإسرائيلي سياسيا، كما فشل في إحباطه اقتصاديا فضلاً عن إحباطه بوسائل العمل السري. وفي الظروف المستجدة، لا يبدو الإحباط العسكري أكثر من مغامرة مجنحة منفصلة عن الواقع الدولي المستجد.
وبنظرة إلى الوراء، سيظهر أمام المراقبين أن نتنياهو «مطّ» تهديداته عاما بعد آخر. الأعوام، منذ 2010، تحولت جميعها إلى «عام الحسم» الذي ينبغي وقف التطور النووي الإيراني فيه، وإلا ضاعت الفرصة إلى الأبد. انقضى عام 2010 وبعده 2011 ومن ثم 2012 ولم يتحقق الحسم. وكانت الدراما الأكثر تشويقا تلك التي شهدها العالم في خريف 2011، حين دفع نتنياهو، ووزير دفاعه في حينه، إيهود باراك، العالم إلى الاعتقاد أن موعد الهجوم الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية لن يتجاوز مطلع الصيف الذي يلي. وفي مطلع الصيف ترحّل الموعد إلى نهايته، ومن ثم إلى الخريف، قبل أن يحدد نتنياهو موعدا جديدا، من على منبر الأمم المتحدة، يقع في ربيع ــ صيف العام الجاري. وعلى مشارف الخريف الحالي، صار الخط الأحمر الذي رسمه نتنياهو في حينه غير ذي صلة. وفي ضوء ذلك، صارت الخلاصة المتكشفة أمام العالم هي أن إسرائيل، بزعامة نتنياهو، تواصل التهويل فيما إيران تواصل التخصيب. وفي الأثناء، هربت الأحصنة النووية الإيرانية من الاسطبل على مرأى الأعين الحائرة للسائس الإسرائيلي.
والأشد وقعاً على حاكم تل أبيب أن الصورة التي عمل جاهدا على إلباسها لطهران، انقلبت، بين ليلة وضحاها، عليه. فبدل أن تكون إيران هي القوة الشريرة التي تهدد الاستقرار العالمي، بدأ يُنظر إلى إسرائيل بوصفها دولة متهورة تهدد هذا الاستقرار. وبدل أن تتعاون الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، بدا الحليفان الإستراتيجيان كمن يعزمان على موجتين مختلفتين ويعملان ضد بعضهما البعض. وبدل دق إسفين بين النظام والشعب في الجمهورية الإسلامية، دُق الإسفين بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية، ودخل نتنياهو في حالة من العزلة.




لماذا نقول نعم؟


كتب رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق الجنرال عاموس يادلين مقالاً في صحيفة «يديعوت أحرونوت» تحت عنوان «لماذا نقول نعم؟»، تحدث فيها عن هجمة «الابتسامات والسحر» الإيرانية التي بلغت في نهاية الاسبوع ذروتها. ورأى أن الهجمة تضمنت كل العناصر الحيوية لاستراتيجية سليمة من الدبلوماسية العامة في القرن الواحد والعشرين. وجاء في المقال: إن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، «يتصدى لمهام غير بسيطة: من جهة عليه أن يحذر الا يضع نفسه في موقف العائق، الذي يمنع تحقيق اتفاق، موقف من لا يفهم التغييرات الجارية في الساحة الدولية ومن يواظب على التمسك بخيار القوة. ومن جهة أخرى، عليه أن يقدّم رسالة منسجمة ومرتبة تجيب على السؤال: كيف ينبغي التقدم من هنا ــ ماذا سيكون عليه «الاتفاق الإيجابي» الذي يعطّل خطر القنبلة الايرانية وماذا سيكون عليه «الاتفاق السيئ» ــ الذي يسمح للإيرانيين بالوصول تحت رعايته الى القنبلة النووية. واستعرض يادلين عشر «نقاط هامة» لحديث رئيس الوزراء مع الرئيس الاميركي، باراك اوباما. (نص المقال على موقع الجريدة الالكتروني).