لم تُقدح شرارة المعركة في سلسلة جبال القلمون وجرود عرسال بعد. لا يزال المسلّحون المتحصّنون فيها يلعبون في «الوقت الضائع»، مترقّبين موعد انطلاقها بين لحظة وأُخرى. إذ يُعدّ معسكرا القتال في الميدان السوري، مسلّحو المعارضة السورية من جهة والجيش السوري بمؤازرة من مقاتلي حزب الله من جهة أخرى، لـ «حرب لا بدّ منها» ستكون ساحتها جبال القلمون السورية (خلف الحدود الشرقية للبنان) وبعض أطراف جرود عرسال اللبنانية. المعركة هنا حتمية «استراتيجياً وتكتيكياً»، سواء لمسلّحي المعارضة أو لقوات الجيش السوري، بحسب مصادر الطرفين، لكون المنطقة تُعدّ شرياناً حيوياً يُغذّي العمق السوري بالسلاح والمسلّحين.


وهذه المعركة التي حُدّد موعدها غير مرّة، أُرجئت مراراً بسبب ظروف كانت تحول دون بدئها. أما اليوم، فتكشف مصادر ميدانية تابعة للمعارضة لـ«الأخبار» عن خطة هجوم استباقية للمجموعات المسلّحة لاستعادة معبر جوسيه على الحدود اللبنانية السورية (شمالي عرسال، وشرقي الهرمل، وجنوبي مدينة القصير)، الخاضع، في جانبه السوري، لسيطرة الجش السوري وحزب الله، علماً بأنّ هذا المعبر كان خاضعاً لسيطرة مسلّحي المعارضة قبل أن تجري استعادته قبل طرد المسلحين المعارضين من القصير. وخلال الأشهر الفاصلة بين استعادة الجيش السوري (بمساندة من حزب الله) السيطرة على القصير، فشل المعارضون مرتين في استعادة المعبر.
وتُرجّح المصادر بدء العملية العسكرية في الأيام القليلة المقبلة، لا سيّما بعد توافر معلومات عن أنّ المجموعات المسلّحة تُخطط لاستعادة المعبر قبل بدء فصل الشتاء الذي يشهد دائماً سدّ معظم منافذ الجبال عليهم، في جرود عرسال، بسبب تراكم الثلوج، الأمر الذي يؤدي إلى قطع خطوط الإمداد من لبنان إلى ريف دمشق الشمالي، ومنه إلى كافة المناطق المحيطة بالعاصمة السورية. وبعدما سُدّت طريق القصير، التي كانت مفتوحة العام الماضي، وفي ظل صعوبة التهريب عبر الحدود اللبنانية الشمالية (عكار) مقارنة بجرود عرسال التي يسيطر عليها المسلحون، لم يبق أمام هؤلاء إلا السعي للسيطرة على معبر جوسيه. والمفارقة أنهم في أيلول الماضي كانوا يُعدّون أنفسهم لموسم الثلوج وتقطّع السبل في جرود عرسال بالسعي إلى السيطرة على قرى حوض العاصي، لفتح طريق مباشر بين القصير وعكار، لكن تلك المحاولة فشلت بفعل تدخل حزب الله. اليوم، يريد المسلحون المعارضون للنظام السوري تكرار الأمر ذاته في معبر جوسيه الملاصق لمنطقة مشاريع القاع اللبنانية. وتكشف المعلومات أن قرار الهجوم اتُّخذ، أياً تكن الخسائر، مشيرة إلى أنّ الهجوم سينطلق من عدة جهات، للإطباق على بلدة جوسيه ومعبرها بمؤازرة أكثر من «عملية استشهادية» تُمهّد للهجوم قبل الاقتحام. ولهذه الغاية أيضاً، تنهمك معظم المجموعات المسلّحة في إعداد الكمائن والعبوات الناسفة في القلمون وبلدتي يبرود وقارة السوريتين لإعاقة أي هجوم محتمل أن يُقدم عليه حزب الله أو الجيش السوري. كذلك تذكر المعلومات أن هؤلاء يمتلكون صواريخ متطوّرة كانوا يجهدون في تخزينها طوال الفترة الماضية ترقّباً لهذه المواجهة.
وجبال القلمون السورية هي امتداد لجرود عرسال اللبنانية، والدخول إليها يعني حتمية المرور بالجرود، وتُحيط بها عدة قرى سورية معارضة، وتنتشر فيها معسكرات المسلّحين التي تعيش هذه الأيام روتيناً مُملّاً، لا يُعكِّر صفوها سوى دويّ انفجار بعض القذائف المتقطِّعة التي تسقط بين حينٍ وآخر. صمت هذه الجبال في الغالب يُخفي في جحوره غُرف عمليات عسكرية يسكنها مئات المسلّحين المعارضين للنظام السوري. في البقعة الجغرافية المتداخلة بين الحدود اللبنانية السورية، يقيم هؤلاء دولتهم. ربما دولة أو كيانٌ مستقل، تحار في تحديد هويته: أهو معسكرٌ قتالي أو حصنٌ عسكري أم هي منطقة عازلة يصول فيها مسلّحون وخارجون عن القانون ويجولون بحرية على هواهم. في هذه الجبال والجرود أُعدّت سيارات مفخخة وعبوات ناسفة أزهقت حياة العشرات. وعلى دروب هذه الجبال انطلق أكثر من «استشهادي»، كان آخرهم «أبو مصعب الأردني بطل» عملية «السيوف المسلولة على حاجز معلولا» التي نفّذها مقاتلو جبهة النصرة، والذي انطلق على متن سيارة رباعية الدفع مفخّخة بكمية كبيرة من المتفجّرات أُعدّت في جبال القلمون قبل أن يفجّر نفسه في حاجز معلولا في اللحظات نفسها التي كان يتواصل فيها هاتفياً مع أمير جبال القلمون في التنظيم القاعدي. ويتباهى عدد من المقاتلين في الجهة المقابلة لعرسال بالتسجيل الصوتي للاتصال الأخير الذي أجراه «الأمير» بأبي مصعب.
والعملية التي يقول المعارضون إنهم يعدّون العدة لتنفيذها في جوسيه ستكون في إطار النشاط العسكري الكثيف الذي يقوم به المسلحون المعارضون في مناطق ريف دمشق، منذ الهجوم على معلولا، والذي شهد أكثر من معركة في مناطق مختلفة في الغوطتين الشرقية والغربية وجبال القلمون. ويسعى المعارضون، من خلال هذه المعارك، إلى تأمين «مناطق آمنة» خاضعة لسيطرتهم، لمنع الجيش السوري من استكمال معاركه في الغوطتين، ومحاولة فك الطوق عنهما. لكنهم حتى اليوم لم يُفلحوا في ذلك.
ويشتهر في منطقة الحدود المقابلة لعرسال «مخيم الوليد العسكري» الذي يستخدمه المسلحون للتدريب والراحة ونقل السلاح، على طرفي الحدود. لكن هذا المعسكر ليس الوحيد. فالمعسكرات تتعدد هنا أيضاً، حالها من حال المسلّحين الذين تختلف مشاربهم وتتعدّد انتماءاتهم، فتجد حملة الجنسيات اللبنانية والسورية والفلسطينية والسعودية والكويتية. أمّا بالنسبة إلى انتماءات حملة السلاح، فمنهم ذوو الميول الإسلامية المتشدِّدة الذين يضمّهم كل من تنظيمي «جبهة النصرة» و«لواء أحرار القلمون»، ومجموعات عشوائية تختلف في كل شيء، لكنّها تجتمع على العداء للنظام السوري، أبرزها «كتيبة شهداء بابا عمرو» التي يقودها الشيخ رائد الجوري. أمّا الكلمة الفصل هنا فهي لـ«مجلس القيادة العسكرية» الذي يستقي أوامره من «مجلس شورى» تابع لـ«جبهة النصرة» التي يقود مجموعاتها في القلمون «أميرٌ»، يحمل الجنسية الكويتية. وتجدر الإشارة إلى أنّ معظم أسماء المشتبه فيهم بمتفجرة بئر العبد في ٩ تموز وإطلاق الصواريخ وقتل عسكريين من الجيش على حاجز في البقاع، الذين أتى بيان وزير الدفاع فايز غصن (يوم 16 آب 2013) على ذكرهم، يتحصّنون في هذه الجبال.

يمكنكم متابعة رضوان مرتضى عبر تويتر | @radwanmortada