حلب | قبل أكثر من شهر عاد مسلحو «الهيئة الشرعية» لقطع خدمات الانترنت والاتصالات عن مدينة حلب بغية ابتزاز السلطات مجدداً للحصول على أموال وتحقيق مطالب بالإفراج عن موقوفين لدى القضاء السوري. انقطاع الانترنت انعكس سلباً على كل نواحي الحياة الاقتصادية والإدارية والاجتماعية. الشلل أصاب المصارف وصرّافاتها الآلية وشركات الصيرفة وتحويل الأموال والإدارات العامة، التي تعتمد في تحصيل رسومها وتقديم خدماتها على شبكة الانترنت، أو شبكات داخلية. وامتد ذلك إلى المستوى النفسي نتيجة حرمان عشرات الآلاف من إمكانية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي التي احتلت حيّزاً كبيراً في حياة السكان في العامين الأخيرين.

وبات من المستحيل على المقيمين في المدينة، أو النازحين إليها، الحصول على إخراج قيد نفوس فردي أو عائلي أو بيان «لا حكم عليه» أو وثيقة «غير موظف»، وكلها أوراق ثبوتية ضرورية للتقدم إلى وظائف عامة أو خاصة ولإجراء معاملات رسمية أو للحصول على جواز سفر وغير ذلك.
ميس رجب، وهي خريجة حقوق تقدمت إلى نقابة المحامين (فرع حلب) للتسجيل كمحامية متمرنة، واحترقت أوراقها الثبوتية نتيجة قصف المسلحين للقصر العدلي، شرحت معاناتها لـ«الأخبار»: «في المرة الأولى استغرق الأمر مني أياماً عدة، أما اليوم فمن غير الممكن الحصول على ورقة من موظف لأن المراسلات متوقفة، كما توقفت المراسلات مع فروع نقابة المحامين في المحافظات نتيجة قطع الاتصالات».
ويشير ناظم حنطاية، وهو وكيل شركة شحن عالمية الى «توقف خدمات الشحن الخارجية الى الدول الأخرى نتيجة انقطاع الانترنت، فيما زادت تعقيدات العمل بين المحافظات نتيجة الاعتماد على الاتصالات الأرضية التي تراجعت بدورها». وأوضح أن انقطاع الخدمة «يزيد معاناتنا التي تبدأ بصعوبة إخراج المشحونات من معبر بستان القصر ولا تنتهي مع سطو المسلحين على سيارات الشركة وسرقة الحمولة أو بعضها». فيما تلفت ريم، العاملة في شركة تحويل أموال، الى «تراجع كبير في حجم العمل الذي بات رهن تأمين الاتصالات الهاتفية أو الفاكس».
الاتصالات الهاتفية مع المحافظات الأخرى توفّرت بعد أسبوعين من انقطاع الخدمات، وغُيّرت رموز نداء المحافظات من حلب واليها، وأصبح من الممكن الاتصال بعد محاولات تصل إلى العشرات، إلا أن خدمة الاتصالات الدولية بقيت بلا حل.

خسارة المتنفّس الافتراضي

المعاناة لا تقتصر على الشؤون الاقتصادية والإدارية، فانقطاع الانترنت كان أثره أكبر على المستوى النفسي، نتيجة العجز عن دخول شبكات التواصل الاجتماعي.
«كانت شبكات التواصل متنفّساً لنا خصوصاً عند سخونة الأحداث. ونتيجة انقطاع الكهرباء كنا نستعيض بها عن الفضائيات»، تروي ريما مكناسي. فيما يقول حسان سرميني: «شعرتُ بأنه تم نزع أنابيب التنفس من فمي. ففي ظل تساقط القذائف وتهديدات المسلحين باجتياح الأحياء وما يرافقها من قتل ونهب، كان الفايسبوك يؤمّن لنا معلومات متنوعة وتواصلا مع المعارف مما يساهم في تخفيف القلق».

تجارة على «هامش» الأزمة

خدمة الاتصال بالانترنت عبر الأجهزة الخلوية (GPRS) توافرت على نحو محدود جداً في بعض مناطق المدينة، لكن فرصة التمكّن من دخول الشبكة العنكبوتية من خلالها ليست أكثر من فرصة الباحث عن «إبرة في كومة قش» في العثور عليها.
سامر، وهو صاحب أحد مقاهي الانترنت، يعرض خدمة إرسال بريد مقابل 400 ليرة سورية أي ما يوازي دولارين أميركيين بسعر الصرف الحالي، والتعرفة تتضاعف إذا ما كان البريد المرسل صورة جواز سفر. ويوضح: «فتح البريد عبر الهاتف الجوال مكلف كثيراً. قد ينقطع الاتصال في أي لحظة ونعود من الصفر، ويجب تكرار المحاولات ربما لساعات حتى ينجح الإرسال». وأضاف: «في حال إرسال إيميلات عدة صغيرة الحجم، أي أقل من 60 كيلوبايت، يمكن خفض السعر إلى النصف».
بعض العاملين في هذا القطاع باتوا يؤمّنون سرياً خدمات مشابهة عن طريق الذهاب إلى المناطق الشرقية من المدينة الخاضعة لسيطرة المسلحين، حيث تتوافر خطوط انترنت فضائية تركية المصدر. ويقول حسام، وهو صاحب شركة تجارية: «أكلّف قريباً لي بالذهاب إلى طريق الباب في المنطقة الشرقية من حلب لكي يفتح البريد الالكتروني للشركة، وينسخ لي الرسائل الواردة ويرد على بعضها». وأضاف: «أطّلع على الإيميلات في مكتبي في الجميلية، وأحضّر الردود وأنسخها على «فلاشة» ومن ثم يذهب قريبي مرة ثانية إلى طريق الباب لكي يرسلها، وهذا الأمر تم باقتراح ومساعدة أحد أصحاب مقاهي الانترنت».
هاني، وهو موظف مراسلات في شركة تجارية وصناعية كبرى بحلب، اعتاد السفر إلى اللاذقية أثناء فترات قطع خدمة الانترنت لمتابعة شؤون الشركة ومراسلاتها مع الشركات الأجنبية وزبائنها. ويوضح: «أسافر إلى اللاذقية لمتابعة العمل، حيث أقيم في فندق طيلة فترة الانقطاع، وهذا طبعاً يسبب نفقات اضافية على الشركة التي تضررت ونهبت معاملها ومستودعاتها أكثر من مرة».