رأى معهد أبحاث الامن القومي في تل ابيب، أن روسيا عملت على مسارين متوازيين للدفع نحو وقف النار في سوريا، بهدف ترجمة انجازاتها العسكرية في الساحة السورية الى انجازات سياسية. المسار الاول، هو النشاط العملياتي الذي تجسّد بهجمات من البر والجو شنها الجيش السوري وحلفاؤه ضد الجماعات المسلحة. ولفت ايضاً الى أنّ الضربات التي تلقتها الجماعات المسلحة دفعتها للموافقة على الانضمام الى طاولة المفاوضات. وفي المسار الثاني، سعت روسيا الى التوجه للمحادثات عندما تكون يدها في الميدان هي العليا وتصبح قادرة على املاء نتائج هذا المسار.
وبحسب التقدير الذي وضعه تسافي ماغين واودي ديكل ونشره موقع المعهد الاهم في اسرائيل، فإن روسيا ترجمت انجازاتها الميدانية الى مخطط سياسي يتمثل بـ«خارطة طريق» لوقف عملي لاعمال الرعب والتأسيس لفترة انتقالية خلال 18 شهراً. ورأى أن موسكو قادت جهداً هجومياً من أجل اظهار التصميم وانتاج ضغط على الغرب وتركيا... لكن التقدير تساءل، من دون تحديد اجابة، عما اذا كانت روسيا قد تلقت مقابلا اضافيا، مثل تسهيلات في العقوبات الغربية عليها. وأشار الى أن موضوعي العقوبات على روسيا والموضوع السوري غير مرتبطين رسمياً، لكن الجانب الروسي يشير الى ارتباط ما بينهما.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فرأى التقدير أنها سعت الى تحقيق وقف النار من أجل منع الجيش السوري وحلفائه من تثبيت انجازاتهم العسكرية وتحويلها الى حقائق في الميدان، التي تعزز استمرار سلطة الرئيس بشار الاسد. عامل اخر، حضر في تقدير المعهد، ويتمثل بكون الولايات المتحدة معنية بوقف موجة المهاجرين الفارين من سوريا إلى أوروبا، من أجل التخفيف على حليفها الاوروبي. ويعود ذلك، بحسب المعهد ايضاً، الى أنه ليس لدى واشنطن ردّ عسكري على الازمة السورية بسبب امتناعها عن ارسال قوات برية الى المعركة وايضا بسبب «عجز الدول العربية السنية»، التي تجد صعوبة في تجنيد قوات برية للقتال في سوريا.

تل أبيب ليست طرفا مؤثرا في المحافظة على «وقف النار»

وبعدما قدَّر التقرير دوافع كل من الاطراف الاقليمية لقبول وقف النار، رأى أن جوهر قوة تفاهمات وقف النار، يعود الى استنادها للاتفاق بين روسيا والولايات المتحدة المصممتين على الدفع نحو اتفاق واسع في سوريا.
أما بخصوص موقع إسرائيل من هذه المعادلة، وآثارها على الامن القومي الإسرائيلي، فلفت التقرير إلى أن إسرائيل اختارت عدم التورط (المباشر) في ما يجري في سوريا، ولذلك هي ليست طرفا مؤثرا في تأسيس وقف النار والمحافظة عليه. واضاف ايضاً، برغم أنّ إسرائيل حافظت على اطار علاقات طبيعي مع روسيا وعلى تنسيق تكتيكي معها في الاجواء السورية، ولكن ليس على حساب علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
مع ذلك، خلص التقرير الى أنه قد يكون لاتفاق وقف النار آثار سلبية على إسرائيل، لجهة أن الوضع الذي تبلور في الميدان يعزز النظام السوري وحلفاءه، والهيمنة الايرانية في سوريا. وقدّر ايضاً أنه في ضوء اتفاق وقف النار ستجد إسرائيل صعوبة في ضوء المعطيات الحالية اتخاذ قرار بتنفيذ المزيد من الهجمات الجوية لاحباط نقل وسائل قتالية متطورة من سوريا الى حزب الله، من أجل عدم اتهامها بخرق النار ومن أجل منع الاحتكاك مع روسيا. واخيراً، وهو الاهم بالنسبة لاسرائيل، أنه اذا استمر اتفاق وقف النار، فسيتمكن حزب الله من التحرر من عبء القتال في سوريا، ونتيجة ذلك، سيصبح قادراً على تحدي إسرائيل في الساحة الشمالية والعالمية، في اشارة الى قدرة حزب الله على مواجهة أي اعتداءات إسرائيلية.
إلى ذلك، تناولت تقارير اعلامية إسرائيلية الواقع الذي آلت اليه التطورات في الساحة السورية، مع مضي خمس سنوات على بدء الاحداث، بالتأكيد على أن القدر المتيقن بأن سوريا وفق صيغتها السابقة لم تعد قائمة ولن تعود الى ما كانت عليه، وهو ما يتلاقى مع الرؤية التي يتبناها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ويجاهر بها. مع ذلك، رأت تلك التقارير أن النظام السوري استطاع الصمود عبر «نجاحه في البقاء» مقروناً بنفوذ ايراني. وخلصت هذه التقارير الى أن الرابح الوحيد في هذه المعركة هو محور طهران، في مقابل المحور المضاد الذي تقوده السعودية.
وفي ما يتعلق بمستقبل الاحداث في سوريا، رأت هذه التقارير أن مسارات المستقبل تراوح بين سيناريو أسوأ يتمثل في استمرار الحرب لعدة سنوات اخرى، واخر أكثر تفاؤلا ويتمثل في قيام اتحاد فدرالي بدعم وتأييد من الدول العظمى.
من جهة أخرى، رأى نائب قائد اللواء الاقليمي في الجولان، التابع للجيش الاسرائيلي، المقدم بسام عليان، أنه بالرغم من أن اسرائيل لم تعد تواجه جيشاً نظامياً يمثّل تهديداً لها، من الجهة السورية، لا يشعر بالرضى ولا يشعر بأن حدود إسرائيل الشمالية أصبحت حدود سلام. وأضاف عليان، الذي هو شقيق قائد لواء «غولاني» غسان عليان خلال الحرب على غزة صيف عام 2014، ان اسرائيل «لا تنوي التورط في الحرب السورية حتى لو جرت محاولة لجرها الى ذلك». ولفت الى أن أحد أهم تحديات الجيش الإسرائيلي في هذا الوقت هو محاولة فهم من يقف في الجهة المقابلة من الحدود، مشيراً إلى أنّ «هناك عددا غير قليل من التنظيمات، وليس لها عنوان دائماً. أنت لا تعلم إذا كانت هذه القوى هي القوى ذاتها التي كانت أمس، أم أنها تغيّرت منذ ذلك الحين». وهو ما يفرض علينا أن «نعرف كل يوم من يدخل الى هنا، وما هي قدراته ونيّاته».