لعلها المفارقة المرّة أن يكون خط التماس في مخيم اليرموك اليوم هو آخر الأماكن التي زرتها قبل هجرتي القسرية منه. لطالما كان هذا المكان هو درب الطمأنينة وسلام الروح، يوم لم يكن القناص يعرفه. من شارع فلسطين كنا ندلف يساراً، نخترق سوق الخضر، وعيوننا معلقة بباب ثانوية اليرموك للبنات، حيث كان الرصيف قبالتها مقصدنا في سنوات المراهقة، وكان زحام السوق، وقتها، ستاراً شرعياً لمن يرغب في انتظار بنات الثانوية ويخجل من فعل ذلك في الوقت ذاته. في زحام السوق كنا نقتل ملل الانتظار أيضاً، ولم نكن نعرف وقتها أن درب الوله هذا سيصير يوماً طريق الصاعدين نحو السماء، يوم يصيدهم من يتربص بأجسادنا ليطفئ فيها الحياة.

بعد عام من الصراع السوري، كان الشارع لم يزل درب سلام للروح. كبرنا، لم يعد رصيف ثانوية البنات يعني أكثر من موقف لسيارة هاني عباس، نتركها في المكان ذاته الذي كانت تترك لنا فيه ابتسامات الصبايا... هناك يبتسم هاني لي، يمسد على شعره، ويقول: «هرمنا».

يوماً بعد يوم، اعتدنا استعارة صرخة العجوز التونسي في ربيع ثورة الياسمين: هرمنا، ننصبها خيمة لاجئ نلوذ بها من وجع غياب كل ما كان ولم يعد... وبعيداً عن المخيم، في المنافي الإجبارية، على كرسيين مربوطين إلى صفحتين على فايسبوك، كنا نعود أنا وهاني لنستعيد الكلمة ذاتها: «هرمنا».. وقد أصبحنا لاجئين بعيداً عن مخيم اليرموك، نلتقي أنا وهو، يجمعنا الحنين حول مائدة المخيم، لنرسم حدوده ما بين فنجان قهوته في بيته المؤقت في طرابلس لبنان، وكأسي المملوءة بالشاي في بيتي المؤقت في دبي.
هكذا صار للاجئيين المؤقتين، أنا وهاني، بيتان مؤقتان بانتظار العودة إلى بيتين مؤقتين. في هذا الوقت كان ابن مخيم اليرموك فينا، يغادر «اللاجئ الطيب» الذي كانه، ليصير «لاجئاً رهن طلب الموت بلا سبب» أو «لاجئاً من لجوئه»، أو «ميتاً على لجوء»... راح العالم يعيد إلى لجوئنا اعتباره، ويعيدنا إلى ما قبل لحظة الصفر، بينما راح الحصار يؤسس لنص لجوء جديد، أشد قسوة... حتى إننا استبدلنا في مخيم اليرموك خبز الطحين الأبيض بخبز العدس والأرز، ومن لا يعرف خبز العدس والأرز، نأمل ألا يعرفه.
يبدو أن حياة الفلسيطيني تصبح أكثر فأكثر مجرد فكرة. فكرة عابرة لا يريدون لها أن تصبح واقعاً يعاش... في ما مضى، كانوا يريدون من الفلسطيني أن يستقيل من إنسانيته لمصلحة فلسطينيته. فعل، فنذروه للموت فقط، ثم عادوا ليطالبوه بأن يستقيل من فلسطينيته لمصلحة إنسانيته، ليسقطوا عنه حق العودة الى أرضه في المفاوضات العقيمة مع عدوّ لا يريد إلا ربح الوقت، ثم عادوا اليوم ليسلبوه الاثنتين، فلا هو إلى فلسطين عاد، ولا هو بقي في المخيم لاجئاً... عاد ليصبح... مجرد فكرة. اليوم يكتب صديقنا مأمون أبو ناصر، وهو على حافة بحر مصر المحروسة بانتظار مغامرة العبور نحو لجوء جديد: «مطلوب وطن يتّسع لأحلامي»... يا لهذه الأمنية الصعبة التي يرجوها هذا الفلسطيني الطموح، قبل أن تحاصره الأجوبة الحاسمة من رفاقه: «بالتأكيد ليس في بلاد العرب..»، فبلاد العرب لم ولن تصبح أوطاني كما تقول القصيدة النشيد. وربما يا صديقي «ما رح تلاقي وطن... للأسف».
يبدو أن وطن الفلسطيني كان مجرد فكرة! أكتب هذه العبارة إلى مأمون، واسمع يا هاني... اسمع يا ماهر... حقاً هرمنا... نحن حقاً فعلنا.