أيهم السهلي

أنا «بني آدم» خلقت بفلسطين، وتهجرت، كان عمري وقتها اكم سنة، وبعدني لليوم بكبر بصغر.. حسب وجعي. عايش بكل مدن فلسطين، ورحّال من مخيم لمخيم. بسأل عن حيفا ويافا وعكا ونابلس وجنين ورام الله والقدس وغزة، وعايش بين أهل هالمدن كلها، بالبلاد والمخيمات. بس بضل الوقت الأطول بين اليرموك والسبينة والنيرب والعائدين وعين الحلوة والرشيدية والوحدات والجلزون والأمعري وقلنديا وخان يونس والشاطئ والبريج. يعني باختصار ومن الآخر؟ أنا لاجئ.

كل يوم، بيبدا نهاري مع طلوع الشمس، زي زمان لما كنت أروح مع أبوي عالأرض، بس اللي تغير اني بصحا بعد النكبة لأشوف مشاكل الناس بالمخيمات، وأسمع هاد، وأساعد هديك. ما هي الحكاية ما خلصت! وأنا بعتبر حالي الممثل الشرعي والوحيد، ومحدش يزعل أنا مش بديل عن حد! بس كمان في ناس بتتوجع كل يوم وبدها مين يضل معاها.. وأنا من الـ 48 تطوعت لهاي المهمة.
بدي أحكي عن كل إشي، مش رح أسكت، واللي بدو يقلي «بتروح عليك خيا» رح أقلو بسرعة: خيا بتروح عاللي بسكت، مش رح أسكت، وكل يوم بدي «أنكت»، وأفضح. واللي ما رح يعجبوا، يروح يزبط مع هالمشحرين بالمخيمات، كل حياتهم نكد، أنا اللي بعرف، مش اللي عايش برا المخيمات.
أهلي اللاجئين بسوريا، أخدوا وسام جديد، وصاروا غير إنهم لاجئين، كمان نازحين، جوا سوريا وبراتها، جوا سوريا موزعين جوات أحياء دمشق، وبعرفهم معترين معهمش مصاري متلتلة ليستأجروا بيوت بأسعار عالية كتير، بقدرش عليها غير المرحرح ماديا. وهدول مش ولاد المخيمات! رغم هيك دبروا راسهم، وكتار سكنوا بالمدارس، مدارس الأونروا تاع اللاجئين، تاعهم يعني، بالمناطق اللي فيها تجمعات فلسطينية، وما صار عليها إشي، اه.. هاي التجمعات مش مخيمات. عشان ما تفهموني غلط. وهياها بتمشي الأيام معاهم زي مكل إشي مشي معهم أو «مشوهم»، الصغار منهم بكملوا دروسهم بمدارس حكومية، زي ولاد المدارس اللي سكنوها أهلهم. بس هدول الولاد، دراستهم صارت، مش ولا بد، عشان اللي عايشينوا مش ولا «بدين». يعني المدرسة كلها هالقد، قد اللقمة، وفيها ستمية نسمة أو شو بعرفني شو بحب المجتمع الدولي يسميهم، زي ما بدو المجتمع الدولي «لاجئين».
أما الفلسطينية اللي طلعوا برات سوريا فهياهم بلبنان، ببيروت وصيدا وطرابلس، ووين صحّلهم. منهم اللي راح عالمخيمات، ومشى أمورو، بين هالناس اللي متلو، ومنهم اللي بسكج حالو برا المخيمات. وللأمانة أهلا وسهلا بالإخوة القادمين.
وأنا عمكم أبو طلال، ما عاد لحقت مصاريف مواصلات بين لبنان وسوريا، واسا طلعتلي السباحة بالبحر من الاسكندرية لسواحل ايطاليا، أشوف المعترين اللي مسافرين لمجهول تاني، كلهم بقولوا رايحين تيصير عنا شوية كرامة. بالسويد، وبكره يمكن السويد بس تعتبرنا مواطنين عندها، يمكن تبعت وفد من عندها «رفيع المستوى» لدولة الكيان الصهيوني، تطالب بحقوقنا. مهمة هادي الدول البعيدة، «الكفار!» يعني، بتهمهم قصة حقوق المواطنين تاعونهم، بفرقوش بين لون ولون، ودين ودين. بحكوا بالإنسان.
ويصرخ لاجئ فلسطيني في السفينة ــ وليس على سطحها ــ أنا إنسان.
ما بخفيكم، أنا ضليت باليرموك أكم من شهر، والناس جوا ماكلين هوا، بس اليوم مش ملاقيين إشي يوكلو، حتى الهوا ..ريحتو كلها دخان. الأطفال بصرخوا بدهم إشي يلعب بمعدتهم، لقمة من هون من هون. بس همّ مش شحادين. والمنظمة (التحرير) يا ولاد الحلال بعتت وفود والله وما قصرت. وقدمت مساعدة لكل لاجئ، تخيلوا معي ها: أقل من عشرة دولار. يا لطيف.. يا لطيف.. والمسلحين رواق عالآخر بدهمش يطلعوا. والحاجز عأول المخيم كمان رواق عالآخر. وزغردي يا ازدهار عاللي صار بولادك يا ازدهار.
أنا أبو طلال، ولهجتي الفلسطينية مكسرة، لأنها متأثرة بكل لهجات البلاد اللي عايشين فيها إخواتي اللاجئين، وبأهلي بالبلاد، هناك بفلسطين. ما إحنا مشتتين. آخرتها لازم نحكي فصحى عشان ما نحس بالفرق. وبيجي يوم وبحكيلكم حكاية الكل. والله بيعيني ع السفر عالسويد والرجعة ع سوريا، والروحة ع لبنان.
وأساسا اللي حرضني عكل هالحكي، واحد زي حكايتي مشحر. بس بشوف الأمور بطريقة غير مأشوفها أنا، هو أبوي عكل حال، وابن مخيم زي حكايتي، اسمو رام سلّام، وعلى قولتو أنا إبنو الضال، وبعرفش ليه سماني أبو طلال، بس هيه هيك. بدو ياني أحكي وهياني بحكي. صحيح نسيت أحكيلكو. كمان لازم أروح عالجزائر أطل عالشباب هناك. وعأبوي رام. مهو لجأ (نزح) لهناك.
وفلسطين وما راحت. والله غالب.