الخرطوم ــــ الأخبار

في الوقت الذي تتواصل فيه التظاهرات المناهضة للحكومة السودانية، يبدو أن هناك بوادر انشقاق كبير في صفوف حزب المؤتمر الوطني الحاكم، على أثر اصدار الرئيس السوداني عمر البشير، توجيهات بتشكيل لجنة لمحاسبة الـ31 قيادياً، الذين وقّعوا المذكرة الإصلاحية التي وجهت إلى الرئيس بصورة شخصية، بعد اندلاع الاحتجاجات، وما صاحبها من عنف.
ويرأس اللجنة رئيس المجلس الوطني، أحمد ابراهيم الطاهر، ووزير النفط عوض الجاز .
ورغم ان موقّعي المذكرة لم يأتوا على ذكر اسقاط النظام، واكتفوا بمناهضة واستنكار العنف الذي واجهت به السلطات الرسمية المتظاهرين لدرجة القتل بالرصاص الحي، إلا أن ذلك لم يشفع لأولئك الاصلاحيين لدى قيادة حزب المؤتمر الوطني، التي ربما رأت في الأمر تطاولاً على المؤسسة الحزبية.
وفي الوقت نفسه، يرى القادة الذين وقّعوا المذكرة أن امر التحقيق معهم يتسم بعدم المؤسسية، ولا سيما أن قرار المحاسبة صدر من الرئيس البشير مباشرة، لا من المكتب القيادي للحزب.
وبحسب مصادر مطّلعة، فإن هناك ضغوطاً مُورِست على بعض أفراد المجموعة التي تنادي بالإصلاح، عجّلت بانسحابهم من توقيع المذكرة قبل الشروع في محاسبتهم. ويضيف المصدر إن أؤلئك الأفراد غير مؤثرين، كما أن المحاسبة لن تطاول عضوين في البرلمان جرى اقناعهم بواسطة أعضاء في الحزب بسحب تواقعيهم من المذكرة.
وفيما كشف القيادي في الحزب صلاح الدين كرار، وهو ابرز موقّعي المذكرة، أن من سلّم الرئيس البشير المذكرة هو احد افراد الاصلاح، نقل عن البشير انه لم يعترض في المبدأ عليها، ووعد بعقد اجتماع مع المجموعة التي وقّعتها. وبحسب صلاح الدين، فإن البشير اعترض على بند واحد ورد فيها، يتحدث عن ضرورة استقالته من رئاسة حزب المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية، حتى يصبح رئسيا قومياً، وهو ما أبدى عليه الرئيس تحفظاً واضحاً، مبرراً ذلك بأنه إذا استجاب لذلك المطلب، فمعناه انه يجب عليه الدفع باستقالته من رئاسة الجمهورية ايضاً، باعتبار ان الحزب هو الذي رشحه.
وبينما أعلن مستشار الرئيس السابق غازي صلاح الدين ترحيبه بمبدأ المحاسبة الذي تأخر لأكثر من عقدين من الزمان حسب وصفه، عاد ورأى أن قرار المحاسبة غير موفق، لأنه يختزل مشاكل البلاد في نقطة إجرائية. ويرى غازي أن «تكوين لجنة المحاسبة بهذه الصورة يبعث برسالة سلبية حول مدى الحرية المتاحة داخل المؤتمر الوطني، ويثير أسئلة كثيرة بشأن استعداد قادة المؤتمر الوطني الحقيقي لتقبل مبادرات وأفكار جديدة من المواطنين عموما، وبقية القوى السياسية». وقال إن المشكلة في «الربط بين إرسال الرسالة المفتوحة وخطط المعارضة لإسقاط النظام وضرب وحدة البلاد وأمنها. صياغة القرار بهذه الطريقة يحمل في طياته تهديدات صريحة باستخدام الإجراءات الأمنية لحسم النزاع، وهو ما سيمثّل كارثة حقيقية على الممارسة السياسية برمتها». ونصح صلاح الدين، وهو قيادي في حزب المؤتمر الوطني، «بعدم الانصراف إلى معارك فرعية صغيرة، وبتوجيه طاقاتهم لمعالجة الأزمات الكبرى التي تحيط بالبلاد».
ويسود اعتقاد واسع بأن قرار الحزب الحاكم تشكيل لجنة لمحاسبة موقّعي المذكرة الإصلاحية كان بغرض صرف الرأي المحلي عن مسألة تحرير الأسعار وغلاء السلع الرئيسية الى مسألة انشقاق حزب المؤتمر الوطني وتصدعه.
ولعلها المرة الأولى التي يخضع فيها موقّعو المذكرات الإصلاحية للمساءلة، إذ سبق أن تقدمت مجموعة من القيادات الإسلامية بمذكرة إصلاحية في العام الماضي، ولم تجرِ محاسبتها. وهذا ما ذهب اليه القيادي في حزب المؤتمر، فضل الله أحمد، الذي أعلن رفض المجموعة قرار الرئيس بتشكيل لجنة للتحقيق مع موقعي المذكرة.
وأشار فضل الله الى أن موقعي مذكرة العشرة الشهيرة قبل أكثر من عقدين، يحتلون الآن مناصب عليا في الدولة، وأن المذكرات الاعتراضية ليست بدعة أو أمراً مستجداً. ووصف فضل الله في حديث لقناة «سكاي نيوز» الإخبارية رئيس البرلمان أحمد ابراهيم الطاهر، الذي أوكلت إليه رئاسة اللجنة، بأنه جزء من الأزمة، وأنه غير مؤهل لمثل هذه المهمة.