بدأت سوريا، أمس، عملياً، طيّ صفحة حيازتها الأسلحة الكيميائية، من خلال مباشرة تدمير مخزونها من المعدات القادرة على حمل هذه الأسلحة. صواريخ وقذائف يمكن تحميلها برؤوس كيميائية حطمتها أمس جنازير دبابات وجرافات. هذه الطريقة هي الأسهل للتخلص من الأسلحة غير الملوثة بمواد كيميائية، ويمكن اللجوء إليها من دون نقل ما يجب إتلافه إلى مناطق خاصة. هي خطوة يُراد منها تأكيد أن السلاح الكيميائي لن يُستَخدَم بعد يوم أمس. لكن ما جرى أمس ليس خطوة تقنية وحسب، بل إنه يعني أن «سوريا ملتزمة بتنفيذ الاتفاق الذي رعته روسيا، بكل شفافية، ومن دون أي تراجع»، بحسب مقربين من القيادة في دمشق. كذلك فإن الانتهاء من ملف الكيميائي «يطوي معه أيضاً أي تهديد بعدوان خارجي على سوريا، ربطاً بهذا الملف أو بغيره»، على حد قول المصادر ذاتها. فالخطوط الحمر التي رسمتها الولايات المتحدة للتدخل العسكري في سوريا في حال تخطيها، «اختفت نهائياً».

ما قام به مفتشو الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية يُعد الخطوة الأولى تقنياً في عملية التخلص من السلاح الكيميائي. فهذه العملية تبدأ بضمان تدمير وسائط استخدام الكيميائي، قبل الانتقال إلى التخلص من الغازات السامة نفسها. المرحلة الثانية بحاجة إلى مختبرات خاصة، وربما تتطلب نقل المخزون إلى أماكن آمنة، وينبغي أن تُخصص لها ميزانيات مالية ضخمة لم يبدأ البحث جدياً بمصادر تأمينها بعد.
وكان مصدر في الفريق الدولي المكلف بتدمير الكيميائي السوري قد أعلن أمس أنّ أعضاء من البعثة المشتركة «توجّهوا إلى موقع حيث بدأوا عملية التحقق وتدمير» الأسلحة. وأضاف المصدر «اليوم هو اليوم الأول للتدمير، حيث سنقوم بتسيير آليات ثقيلة على الأسلحة، وتالياً تدمير الرؤوس الحربية للصواريخ والقنابل الكيميائية التي يمكن إلقاؤها من الجو، ووحدات المزج والتعبئة الثابتة والمتحركة».
وشدّد على أنّ «تدمير الأسلحة وتفكيك أجهزة الإنتاج ينفذها الجانب السوري تحت إشراف الفريق الذي سيعمل لاحقاً على التحقق والتأكد من أن الأمر تمّ بالشكل الملائم».
وأوضح أنّه لهذه الغاية ستستخدم طرق «سريعة» تبعاً لكل وضع، ومن الخيارات الممكنة «تدمير شيء بمطرقة» و«سحق شيء بدبابة» و«استخدام متفجرات» أو «صب اسمنت». واعتبر المصدر في الفريق أنّ «المرحلة الأولى التي تشمل كشف المواقع من قبل السوريين شارفت على نهايتها، ونحن الآن نتقدم في اتجاه المرحلة الثانية: التحقق والتدمير والتفكيك».

تشكيك أممي بكيميائي الغوطة

في السياق، أكّدت الممثلة الأممية العليا لنزع الأسلحة، أنجيلا كين، أنّ التقرير الذي قدّمه المحققون حول تعرّض الغوطة في 21 آب لهجوم بغاز السارين قبل أسابيع، يثير عدداً كبيراً من الأسئلة.
وقالت، في مقابلة مع قناة «روسيا اليوم» الناطقة بالإنكليزية، «لقد أثبت المحققون أنهم وجدوا آثارَ السارين في العيّنات التي جمعوها، لكنهم من ناحية أخرى لم يعثروا على آثار السارين في العينات البيئية». وأضافت: «لقد جاء في تقرير المحققين أنهم استخدموا طرقاً علمية دقيقة في إعداد التقرير، لكن التقرير يثير الكثير من الأسئلة حول مدى دقة الطرق المستخدمة، وقد ذهب المحققون إلى موقعين من المناطق المتأثرة في الغوطة، وهي التي شاهدنا فيها فيديوهات مروّعة لجثث الضحايا والأطفال القتلى. وأمضى المحققون ساعتين تقريباً في أحد المواقع، وخمسَ ساعات في موقع آخر، حيث عملوا على جمع عينات بيئية وأخرى من الملابس والتربة، كما أنهم أخذوا عينات من دم الناجين لفحصها أيضاً».
وتساءلت كين أنّه رغم قول التقرير إنّه «لم تعط أي من العينات البيئية التي جمعوها نتائج إيجابية على وجود غاز السارين، إلا أن عينات الدم التي جمعت من الناجين أظهرت لسبب ما نتائجَ إيجابية بوجود السارين في أجسادهم»، ما الذي حصل؟ ولماذا لا تظهر أي من العيّنات نتيجة إيجابية حين يتمكن المحققون من التجول بحرية لجمعها؟ بينما تظهر النتائج الإيجابية حين يجمعون عينات من ملابس الأشخاص الذين تختارهم المعارضة؟».
واعتبرت أنّ هناك احتمالين لتفسير ذلك: «إما أن المحققين لم يعرفوا كيفية القيام بتحليل العينات البيئية التي جمعوها، أو أن المعارضة حاولت التأثير على سير التحقيق من خلال تقديم أشخاص تعرضوا بالفعل للسارين، ولكن في مواقع أخرى».