عدّلت سنوات الحصار الطويلة المزاج الشعبي لدى الغزاويين، حيث بات وصل الكهرباء لمدة ثماني ساعات في اليوم أمنية تكافح في سبيل تحقيقها الجهات الرسمية والمدنية. لا يوجد رواية رسمية توضح أسباب هذه الأزمة المتقادمة، وتتراشق الجهات المسؤولة في غزة التهم مع رام الله منذ سنوات، من دون الوصول إلى حل ينقذ مليوني إنسان من المعاناة، رغم المبادرات الخارجية، ومنها القطرية، لحل المشكلة.
ويحتاج قطاع غزة إلى 450 ميغاواط من الكهرباء يومياً، فيما لا يتجاوز مجموع ما يصله 200 ميغاواط، ما يعني أن معدل العجز يفوق 45%، هذا في حال شُغّلت محطة توليد الكهرباء الوحيدة بكامل طاقتها، وفق تقرير أصدرته «سلطة الطاقة» في غزة. وتُغطى حاجة القطاع بالكهرباء من ثلاث جهات، يشكل الخط الإسرائيلي فيها ركيزة أساسية، وهو يمدّها بـ120 ميغاواط، فيما يزوّد الخط المصري المحافظات الجنوبية بـ32 ميغاواط، وتتكفّل محطة التوليد (إذا عملت مولداتها الأربعة) بتوفير 60 ميغاواط.
والآن، وفق محمد ثابت، وهو مدير «العلاقات العامة والإعلام» في شركة الكهرباء، فإن سبب تفاقم الأزمة مجدداً هو فقدان مصدرين رئيسين للطاقة: محطة التوليد الوحيدة بسبب عجزها عن توفير الوقود، إضافة إلى الخط المصري. يضيف ثابت، في حديث إلى «الأخبار»، «وصلت مستويات العجز إلى أكثر من 65%. نتزود بالكهرباء من مصدر وحيد هو الجانب الإسرائيلي، لذلك نتدبر أمر القطاع بهذه الكمية المحدودة، ونحاول توزيعها على المواطنين في محافظات القطاع بالتساوي».
وتحتاج محطة التوليد إلى 650 ألف ليتر من الوقود يومياً كي تعمل بكامل طاقتها، ويؤدي ضعف إيرادات الجباية محلياً إلى فقدان السيولة المالية الكافية لتوفير الكمية. كذلك تحمّل «الطاقة» في غزة المسؤولية الكاملة لوزارة المالية في حكومة الوفاق، فيما تطالب الأخيرة الجهات المسؤولة في غزة بتحمّل عبء «ضريبة البلو» التي ترفع سعر الوقود بواقع ثلاثة شواكل (0.9 دولار) عن كل ليتر. وهذه الضريبة هي «رسوم تأمين» تدفع لإسرائيل بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية، وتعيدها إسرائيل إلى حكومة رام الله في وقت لاحق. والسبب وراء فرض رام الله على غزة شراء الوقود مضافاً إليه «البلو» هو أن تعيد إلى خزينتها أموال الجباية التي تتهم «سلطة الطاقة» في غزة بالامتناع عن دفعها.
أمام هذه المشكلة المعقدة والمركّبة، لا تتجاوز إيرادات الجباية الشهرية حدود 24 مليون شيكل شهرياً، وفق ثابت، الذي عزا ضعف الجباية (رغم تزايدها في عهد «حماس») إلى البطالة وتدني مستوى الدخل واستمرار تراكم المستحقات، في الوقت الذي تبلغ فيه تكلفة الوقود اللازم لتشغيل مولد واحد مليوني شيكل يومياً. 
«اللجنة الوطنية لمتابعة ملف الكهرباء»، وهي لجنة «محايدة» من الفصائل تتولى متابعة الإشكالات المتعلقة بالكهرباء مع سلطة رام الله، قالت إن «مالية الوفاق مسؤولة عن تفاقم أزمة الكهرباء، لأنها تنكرت لقرار مجلس الوزراء الفلسطيني الذي يقضي بإعفاء شركة كهرباء غزة من ضريبة البلو بنسبة 50%». كذلك ألقى عضو المكتب السياسي في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» ذو الفقار سويرجو، المسؤولية على مالية الوفاق، قائلاً لـ«الأخبار»، «هناك تنكّر لقرار مجلس الوزراء يقوده وزير المالية شكري بشارة لأسباب غير معروفة».
حاولنا التواصل مع عمر كتانة، وهو مسؤول «سلطة الطاقة» في رام الله، للاستفسار عن قضية «ضريبة البلو»، لكنه رفض التعقيب، وأحالنا إلى وزارة المالية، التي رفضت بدورها الحديث مع «الأخبار» في الموضوع.
من ناحية ثانية، فإن مشكلة الكهرباء ليست متعلقة بالحياة اليومية للمواطنين فقط، بل تضطر ما تبقى من المصانع والورش الصناعية إلى تقصير مدة عملها حتى ساعات وصل التيار الكهربائي، الأمر الذي يتسبّب في تقليل حجم الإنتاج، فيما تقف الكلفة العالية للمحروقات (السولار ــ المازوت يصل سعر الليتر منه إلى نحو دولارين وربع دولار)، حائلاً أمام الاعتماد عليها في تعويض ساعات القطع عبر تشغيل المولدات.

قد يكون أكثر حلّ ممكن زيادة كمية الكهرباء الواردة من إسرائيل!

وكانت شركة الكهرباء في غزة قد تلقّت عدداً من المنح الدولية، آخرها المنحة القطرية التي زوّدت محطة التوليد بعشرة آلاف طن من الوقود أمّنت احتياجات شهر كامل. كذلك أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، طانر يلدز، عقب حرب الخمسين يوماً عام 2014، نية بلاده حل مشكلة الكهرباء في غزة، عبر إرسال محطة توليد عائمة. لكن رفض الجانب الإسرائيلي قوّض إمكانية تحوّل الحل التركي إلى واقع، ثم استبدلت الحكومة التركية منحتها بـ500 ألف دولار أسهمت في تشغيل محطة الكهرباء بكامل طاقتها ليوم واحد فقط!
وبينما تكال الاتهامات لرام الله، حمّلت «جبهة النضال الشعبي» حركة «حماس» مسؤولية الأزمة، مرجعة سبب العجز إلى «نظام الجباية غير المنصف». يقول القيادي محمود الزق لـ«الأخبار»، إن «إيرادات الجباية من المفترض أن تصل إلى 97 مليون شيكل، لكن الوارد لا يتجاوز 24 مليوناً؛ السبب في الفارق بين ما تحصّله الشركة وما هو مفترض، يعود إلى استهلاك الكهرباء من المؤسسات الحكومية والمشاريع الخاصة التي تتبع حماس من دون تسديد ثمن الكهرباء».
وأضاف الزق: «حصول 1500 مسجد تتبع لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية وحدها، وهي أغنى وزارات غزة، على الكهرباء من دون أن تدفع شيئاً للشركة، إضافة إلى عشرات المؤسسات الحزبية والحكومية الأخرى، هو ما يحدث العجز عند الشركة». لكن «العلاقات العامة والإعلام» في شركة الكهرباء رفضت التعليق على كلام الزق. من ثم اقترح محمد ثابت أن «الحل المهني يتمثل في مضاعفة كمية الكهرباء الواردة من إسرائيل عبر خط 161، خصوصاً أن هناك موافقة خطية من الاحتلال على الأمر، ولكن العقبات الداخلية تعرقل تحوّل المقترح إلى واقع».
وسط ذلك كله، أعلنت «اللجنة الفصائلية المحايدة» أنها استنفدت كل الجهود لحل أزمة الكهرباء، حتى بصورة جزئية، مضيفة أن «المالية في الوفاق لم تنصع حتى اللحظة إلى قرارت مجلس الوزراء بإعفاء غزة بما نسبته 50% من ضريبة البلو». لكن مسؤولاً في «الوفاق» ردّ على اللجنة الفصائلية بالقول إن السبب في ذلك هو «إجبار شركة توزيع الكهرباء في غزة على تسديد الأموال التي تجنيها من الجباية». وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، «لدينا حقائق توضح حدوث تلاعب واستغلال لأموال الجباية؛ الحكومة تدفع 35 مليون شيكل شهرياً للجانب الاسرائيلي ثمناً لخط 161 الذي يزوّد القطاع بـ120 ميغا، وليس من المنطق أن تستغل حماس أموال الجباية لمصلحتها». وتابع: «هناك حكومة مسؤولة عن هذا المال ويجب أن تصل الأموال إليها».
إلى ذلك، يرى المحلل السياسي مصطفى الصواف أن مشكلة الكهرباء «أزمة سياسية بحتة لتضييق الخناق على قطاع غزة». وقال الصواف، المقرّب من «حماس»، في حديث إلى «الأخبار»، إن «اللجنة الفصائلية شكلت لجنة محاسبة من شركات مهنية ودولية معتمدة، جردت كامل حسابات شركة الكهرباء في غزة، وتبين أنها سليمة وشفافة، وهو ما يكشف زيف ما تدّعيه رام الله».
إلى ذلك، أبلغ الجانب المصري شركة الكهرباء في غزة إعادة وصل التيار المغذّي لمدينة رفح، على أن يُعاود فصله في وقت لاحق جرّاء «أعمال صيانة».




عباس يوقف مخصّصات «الشعبية» مجدداً


في مرة ثانية خلال أقل من عامين، تلقّت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» قراراً شفوياً من رئيس «الصندوق القومي لمنظمة التحرير»، رمزي خوري، بوقف صرف مستحقات «الشعبية» من المنظمة. وقال القيادي في «الجبهة»، كايد الغول (الصورة)، إن رئيس السلطة محمود عباس هو من أوعز إلى خوري بذلك عبر قرار شفوي، بقطع المخصصات المالية عن شهري شباط وآذار الماضيين.
وقال الغول، في حديث إلى موقع محلي، إن «قرار الرئيس عباس خطيئة، خصوصاً أنه اتخذ بشكل منفرد من دون الرجوع إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير». وأضاف: «قرار الرئيس جاء بعد عدة مواقف معارضة لمواقف وتصريحات للسلطة ورئيسها لوسائل الإعلام الإسرائيلية، والتي اعترف فيها بمحاربته العمليات الفدائية والعمل على وقف الانتفاضة».
وكانت «الجبهة الشعبية» قد طالبت «منظمة التحرير» بمحاسبة عباس ومساءلته على خلفية تصريحات أدلى بها إلى القناة الثانية الإسرائيلية، قائلة إن «هذه التصريحات شرعنة لسلوكيات جيش الاحتلال وأدواته القمعية، كما انها تجاوز للخطوط الحمر وتقاليد الشعب الفلسطيني وأعرافه».
(الأخبار)