لا تزال أصداء انتقال السيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية تلقي ظلالها على المصريين، الذين يلتقي رئيسهم، عبد الفتاح السيسي، غداً الأربعاء، مجموعة من ممثلي المجتمع في محاولة لإقناع الرأي العام بالاتفاقية التي تحظى برفض شعبي واضح. خطوة السيسي جاءت استجابة لتقارير أمنية رُفعت إليه ورصدت انخفاض شعبيته بشدة وسط انتقادات حادة من القوى الوطنية، وقد نصحته أيضاً بتفسير قراراته للرأي العام.
التقارير، التي قدمتها جهات أمنية واستخباراتية، شرحت للرئيس أن «تخاذل الحكومة في التمهيد للرأي العام جعلت الاتفاقية صادمة وتشبه التنازل عن أرض مقابل المنح المالية». كذلك حملت على كل من «وزارة الخارجية ووزارة التعاون الدولي وهيئة المساحة». لكنها نبهت السيسي إلى أن تكون توضيحاته ضمن أحاديث في أقرب فرصة، لا خطاباً خاصاً بمظهر «التبرير».
بالتوازي مع ذلك، عممت «الخارجية» على الإعلاميين وثائق تشرح «سعوديّة تيران وصنافير»، لكن خبراء عسكريين تواصلت معهم «الأخبار» رفضوا ذلك، مستندين إلى «وثيقة لدى السعوديين والمصريين نصت على نقل التبعية لمصر بموجب مخاطبة رسمية من الملك عبد العزيز منتصف الأربعينيات إلى رئيس وزراء مصر آنذاك مصطفى باشا النحاس»؛ وهو ما يسلط الضوء على الجدل الداخلي المستمر بشأن تبعيّة الجزيرتين. لكن أطرافاً أخرى بدأت تربط ما جرى بسياقات سياسية وإقليمية أخرى.
في الوقت نفسه، قال مصدر مطلع لـ«الأخبار»، إن «إجراءات نقل السيادة الجزر ستستغرق وقتاً قد يصل إلى عام، لأن الاتفاقية سترسل إلى البرلمان الذي سيناقشها ويرسلها إلى مجلس الدولة قبل أن يصدّق عليها الرئيس نهائياً»، فضلاً عن «ترتيبات عسكرية وأمنية» أخرى. كذلك استبعد المصدر حدوث «استفتاء شعبي» كما يدعو بعض معارضي النظام. ولا تزال القاهرة تنتظر الجمعة المقبلة، مترقبة دعوة التظاهر الاحتجاجي في ميدان التحرير، بجانب السابع عشر من أيار المقبل للنظر في الدعاوى المقدمة لإلغاء الاتفاقية.
على جانب لا يقل أهمية، لم يكن متوقعاً أن تتم خطوة تخلي مصر عن سيادتها على جزيرتي تيران وصنافر للسيادة السعودية، بمعزل عن موافقة إسرائيل ومباركتها، لذا لم يقتصر الأمر على إبلاغ القاهرة لتل أبيب، كما كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية، بل نتيجة ما تتمتع به الجزر من خصوصية تتصل بالأمن القومي الإسرائيلي، بادر رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، إلى عرض الأمر على المجلس الوزاري المصغر قبل إعلان الاتفاق.
وأهمية الجزيرتين لإسرائيل، من زاوية موقعهما الجغرافي على مدخل خليج العقبة، الأمر الذي يضفي أهمية استثنائية في ميزان المصالح الأمنية الإسرائيلية، لذا تحتل هوية وتوجهات الدولة التي تسيطر على هذه الجزر، عنصراً أساسياً في قراءة التهديدات والفرص، ما يعني أن موافقة إسرائيل تكشف عن تقدير وموقف إيجابيين من التوجهات السعودية واستراتيجية إزاء إسرائيل وأمنها.

موافقة تل أبيب تكشف تثمين توجهات الرياض إزاء الأمن الإسرائيلي

العامل الاستراتيجي الثاني الذي يحضر في الموقف الإسرائيلي، حقيقة موقف السعودية من ترتيبات «كامب ديفيد» التي تتصل بالجزيرتين، وهو ما أظهرته الموافقة الإسرائيلية على العملية برمتها، وكشفت عنه القناة الثانية الإسرائيلية، التي أكدت أن «السعوديين تعهدوا أمام المصريين بصورة غير مباشرة أمامنا ومقابل الأميركيين، بجميع الالتزامات المتعلقة بالبند العسكري في اتفاق السلام على هذه الجزر».
هكذا، أثبتت إسرائيل عملياً، وبعيداً عن المواقف السياسية والإعلامية، أنها ترى في النظام السعودي ضمانة لتأمين المصالح الأمنية. وكشفت هذه الخطوة أيضاً، عن بداية التزام سعودي مباشر بـ«كامب ديفيد». في ضوء ذلك، بات بالإمكان القول إن السعودية «طرف رابع» أضيف إلى الاتفاقية، إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة ومصر.
وأتى كشف صحيفة «هآرتس» والقناة الثانية ليؤكد أن إسرائيل «أبلغت مصر أنها لا تمانع هذه الخطوة شرط ضمان حرية إبحار السفن الإسرائيلية في المنطقة واحترام باقي الالتزامات المصرية تجاه إسرائيل». وأضافت «هآرتس» أن المصريين «أوضحوا لتل أبيب وواشنطن أن هذا ما سيحدث، والرياض وافقت على ذلك علناً». ولفتت الصحيفة إلى أن نتنياهو «طرح هذا الموضوع في إحدى جلسات المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية السياسية قبل أسبوعين وأبلغ الوزراء بالخطوة المخطط لها». وأضافت: «الولايات المتحدة وقوة المراقبين الدوليين في سيناء كانوا في صورة الاتصالات ولم يعربوا عن معارضتهم».
في السياق، أوضحت «هآرتس» أن وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية «قدمت رأيها المهني بتأكيد أن نقل السيادة على الجزيرتين من مصر إلى السعودية لن يؤثر بسوء في السلام مع مصر». مع ذلك، ذكرت الصحيفة أن «نتنياهو، ووزير الأمن موشيه يعلون، لا يزالان ينتظران رأيا أشمل، يعده في هذه الأيام قانونيون من عدة وزارات حكومية».
إلى ذلك، وفي تطور لافت يعكس نتائج مباحثات السيسي ــ سلمان بشأن المصالحة مع تركيا، يترأس وزير الخارجية سامح شكري، وفد مصر في أعمال القمة الإسلامية التي تنعقد في إسطنبول، ليكون أرفع مسؤول مصري يزور تركيا منذ إطاحة حكم محمد مرسي.