ترهقها أجساد الجنود الإسرائيليين المرخيّة على مقاعد الحافلة في طريقها اليومي إلى كليّة «الفيتسو» للفنون في حيفا المحتلة. محال أن تعتاد الفكرة، حتى إن كانت تحدثهم يوميا، أو تناقش معهم فكرة خطرت لها فأنبتت صوراً تنشرها في معرض. أستاذها في الكليّة إسرائيلي، وزملاؤها كذلك. هي العربية الوحيدة بينهم، وتعرف أن وجودها صدمة لمن يعدّها «فأرا في حقل تجارب».

لم تسمح الظروف المادية للمصورة الفلسطينية راية مناّع (25 عاماً)، بالسفر إلى الخارج للدراسة في أحد المعاهد أو جامعات الفنون. ولدت في قرية مجد الكروم (الجليل الأعلى)، وتعرف أن ذلك ليس ذنبا؛ «هني احتلوا أرضنا، وهون كل إشي إلهم وإحنا مفش عنا كليات أو جامعات عربية بتدرس فنون، لهيك ما كان في خيار أمامي غير كلية الفيتسو في حيفا».
وبينما تحلم منّاع في رؤية أعمالها المصورة على جدران معارض عالميّة ودوليّة، ترفض المشاركة في معرض «بينالي البحر الأبيض المتوسط» الذي سيقام في مدينة سخنين (الجليل الأسفل)، بمشاركة فنانين ومصورين من دول المتوسط، بينهم فنانون يحملون جنسية دول ليست لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل كأفغانستان وإيران، كما يشارك فنانون مغاربة وأوروبيون وروس، وفق القائمة المعلنة في موقع المعرض.
تقول منّاع لـ«الأخبار»، إن «أقل ما يمكن فعله هو الرفض». وتضيف أنه خلال دراستها إلى جانب إسرائيليين تعمّق رفضها أكثر لهذا المجتمع العدواني، بل أساساً ترفض لغة الحوار مع الإسرائيليين وتنتقد بشدة مشاركة الأحزاب العربية في «الكنيست»، باعتبار أن ذلك كله بلا جدوى، فضلاً عن أنه يصب في خدمة الاحتلال لناحية إظهار «ديموقراطيته» أمام العالم.
يقف خلف المعرض الفنان الإسرائيلي (روماني الأصل) بيلو سيميون بينيرو، وهو مدّرس منّاع في الكلية، إضافة إلى الفنانة الإسرائيلية أفيتال بار شاي. ويسعى إلى اقتراح «منصة بديلة تشدد على الناتج المحلي في المنطقة وتأثيره الثقافي». وسيكون «حدثا فنيا عالميا يجمع فنانين إسرائيليين عرباً ويهوداً وفنانين عالميين».
تشرح مناع أنه خلال دراستها عوملت بعنصرية لكونها عربية، وكان الطلاب ومدرسها يتجاهلون وجودها داخل الصف أو «يتناسونه»، فيبدأون الحديث عن خطط القضاء على الفلسطينيين: «علينا أن نحرقهم، هؤلاء العرب مخربون... يرمون القمامة على الأرض»، وعندما يتنبهون إلى وجودها يتساءلون: «ماذا تفعل عربية هنا؟»، أو أي فن سيخرج من هذا «الفأر» الغريب.

يركّز المعرض على «مدى تأثير الربيع العربي في الحياة التربوية»

مع ذلك، كانت تدهشهم دوماً بما التقطته عدستها، وأخيراً ما أعدته لمشروع تخرجها، وهو الذي أذهل مدرسها فدعاها إلى مشاركة أعمالها في المعرض، وإيصال شريطها المصور إلى العالميّة، فضلا على مبلغ مالي كبير.
ويرى القيّمون على المعرض أن حدثاً فنياً عالميا كهذا «سيتيح فرصة للتعايش السلمي وللغة الحوار عن طريق العمل الفني»، فالفن كما يرونه «يتخذ بعداً اجتماعياً مهماً من شأنه خلق ظروف مناسبة للحوار ولمعرفة الآخر وتقبله». وتقرّر إقامة المعرض في سخنين، من أجل إعطاء «فرصه للتعرف على الثقافة العربية عن كثب والتعرف على نمط الحياة المحلي عن طريق الاتصال المباشر مع سكان المدينة»، كما نشر في موقع المعرض.
لكن رفْض منّاع لا ينبع حصراً من موقفها الوطني الذي يستهجن فكرة «التعايش» أو الحوار مع الإسرائيلي، بل من رؤيتها الخاصة التي ترفض تسخير الفن في خدمة أجندات سياسية تصب في مصلحة إسرائيل أولاً وأخيراً. تضيف في حديث إلى «الأخبار»، متسائلةً: «لماذا قد أنشر فني أمام مستشرقين يعدونني أدنى مستوى منهم؟ هم أساساً لا يريدوننا بينهم ولا يلتفتون إلى أعمالنا... صحيح أنني تتلمذت على أيديهم لكنهم محال أن يغيروا من وجهة نظري تجاههم، بل أنصح كل من يرغب في دراسة هذا المجال أن ينطلق إلى الخارج مهما كلفه الموضوع، لأنه يمكننا أنّ نُعرّف الآخرين على ثقافتنا، أمّا هنا فكل المعارض تطبيعية وتخدم الاحتلال».
والمعرض، الذي ترعاه جهات إسرائيلية وغربية في مقدمتها السفارة الأميركية لدى تل أبيب، يركز في مفهومه على «الناتج المحلي في المنطقة ومدى تأثيره في الحياة التربوية في أعقاب ما يسمى الربيع العربي الذي شهدته كل من تونس، ومصر، وسوريا، والبحرين، وليبيا، واليمن، والعراق».
كما يثير القيمّون عليه أسئلة عن التغييرات في المنطقة في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ويتطرق إلى هذه التغييرات، والواقع الجديد «عن طريق الفن». كذلك يربط موضوع المعرض «بين مصطلح الفن ومصطلح الاتجاه الجديد، من أجل إقامة نقاش حول مصطلح (الشرق) مع التطرق إلى الفارق الثقافي عند الغرب، في سياق التغييرات الحاصلة للفن وللثقافة المحلية». وأيضاً يفتح باب النقاش «حول الهوية المكانية والزمانية والفرديه في ظل ثقافة شمولية».
وفي ما يتصل بموضوع الهوية، تقول منّاع، إن «الواقع الذي يعيشه فلسطينيو الـ48 واقع مركب»، مضيفةً: «مع أن الاحتلال المباشر للأرض والإنسان، الذي تمارسه إسرائيل بحق إخوتنا في الضفة وغزة، قد يكون أكبر بكثير مما يُمارس ضدنا، لكنه ليس علينا الوقوف للحظة واحدة لنتساءل عن هويتنا... هذه الهوية يجب أن تكون واضحة لا لبس فيها».
ومنّاع، التي يحظر الاحتلال سفرها إلى «أكثر العواصم حباً إليها» ــ بيروت، بسبب جواز السفر الإسرائيلي المفروض عليها كبقية فلسطينيي الـ48، تحلم بأن تزور لبنان ولو ليوم واحد... «أرغب في تصوير الناس، والشوارع، والأبنية التي اخترقها رصاص الحرب الأهلية والحروب الإسرائيلية المتعاقبة على لبنان، دائماً أحاول تصوّرها في مخيلتي، لكنني أخفق في تحديد أشكالها لأنني لم أرها بعد».