لم يكد يُزهر ربيع «القاعدة» الإسلامي، حتى تفرّقت السُبُل بحَمَلَة الفكر الواحد. عُدّ ذلك ضربة قاصمة لأصحاب المنهج الجهادي، وباءت محاولات فضّ النزاع بالفشل غير مرّة. أرض الشام كانت السبب. فالبلاد التي يعدّها الجهاديون «مهوى الأفئدة»، تحوّلت إلى سبب للنزاع. ولم تُفلح الوساطات التي قام بها مشايخ مصلحون، بسبب تمسّك أمير «دولة العراق الإسلامية» الشيخ أبو بكر البغدادي بوليده المتمثّل في «الدولة الإسلامية في العراق والشام».


وبعدما قال زعيم «القاعدة» الشيخ أيمن الظواهري كلمته ببقاء «جبهة النصرة» في الميدان السوري، وانسحاب «دولة العراق الإسلامية» إلى قواعدها، خرج البغدادي مُعلناً رفضه الطرح عبر تسجيل صوتي حمل عنوان «الدولة باقية». وانعكس صراع الأمراء خلافاً بين المقاتلين في الميدان. فوصل الأمر حدّ القطيعة بين أمير الدولة وأمير الجبهة الشيخ أبو محمد الجولاني، ولا سيما أن البغدادي عدّه «خارجاً منشقّاً عن الدولة الإسلامية». كذلك هاجم المتحدث الرسمي لـ «داعش» أبو محمد العدناني في إحدى كلماته الصوتية الجولاني متّهماً إياه بـ «مخالفة البيعة وشق العصا وبذر بذور الفتنة بين المجاهدين». وإمعاناً في القطيعة، قطعت «الدولة الإسلامية» الإمدادات المالية والدعم الذي كانت تُزوِّد «جبهة النصرة» به. فانعكس ذلك على نحو سلبي معنوياً على الأداء القتالي لجهاديي النُصرة، ولا سيما أنّ جميع احتياجاتهم كانت توفّرها «دولة العراق» من موازنتها. وبحسب مصادر الجهاديين، فإنّ المورد الأساسي لـ«الدولة الإسلامية»، إضافة إلى الفدية التي يُحصّلونها من جرّاء خطف الرهائن وإطلاق سراحهم، يتمثّل في حقول النُفط التي يُسيطر عليها مسلّحو التنظيم القاعدي داخل الأراضي العراقية. وقد أُضيفت إليها حديثاً حقول نفط جديدة في محافظتي الرقّة ودير الزور السوريتين.
إذاً منعت «داعش» أموالها عن «الجبهة». نقص المال ترافق مع خلاف عقائدي بشأن البيعة. تُرِك الأمر للمقاتلين، فانقسموا على أنفسهم. اختار معظمهم البقاء. عزّز قناعتهم في ذلك موقف زعيم التنظيم الذي وقف مع الجولاني في هذه المرحلة. ورغم ذلك، انتقل المئات من المقاتلين للالتحاق بركب «داعش»، لكونهم رأوا أن «راية الدولة أكبر من راية التنظيم»، وبالتالي هي الأولى بالبيعة. إزاء ذلك، طفت إلى السطح معلومات عن نقاش داخلي في مجلس الشورى الأعلى لدى «تنظيم القاعدة» حيال استمرارية اعتبار «داعش» جزءاً أصلياً ينتمي إلى القاعدة الأمّ، أم أنّه أصبح تنظيماً جهادياً مستقلّاً. واستناداً إلى ما سبق، يعاني تنظيم «جبهة النصرة» ضائقةً مالية تتمثّل في نقص السيولة، علماً أنّ ذلك النقص لا ينسحب على العتاد العسكري لكون مقاتليها تمكّنوا من السيطرة على مصانع للذخيرة في غير منطقة. هكذا وجدت «جبهة النصرة» نفسها يتيمة. ورغم أنّها الذراع الرسمية المعترف بها لدى «تنظيم القاعدة»، تتحدّث المعلومات الإسلامية عن انخراطها في الحراك القائم لتوحيد الصف الإسلامي. ولهذه الغاية، وُقِّعت اتفاقية توحيد الكتائب الإسلامية العاملة في الميدان السوري، فجاء العصب الفعلي لهذه الكتائب متمثّلاً في «حركة أحرار الشام» التي يقودها الشيخ أبو عبدالله الحموي، ولواء التوحيد (بقيادة عبد القادر الصالح) و«لواء الاسلام» (بقيادة زهران علّوش)، إضافة إلى الجبهة. ورغم ما تردد عن وجود خلافات بين قيادة الجبهة وعلّوش، إلّا أن معلومات جهاديين قريبين من الطرفين تؤكّد أن «العلاقة بينهما أكثر من جيدة». وفي السياق الجهادي أيضاً، تتحدث المعلومات عن توجّه لدى قيادة «كتائب عبد الله عزّام» للالتحاق بـ «حركة أحرار الشام»، علماً أنّ أمير الكتائب هو الشيخ السعودي ماجد الماجد، الذي تجزم الأجهزة الأمنية اللبنانية بأنّه في مخيم عين الحلوة إلى جانب عدد من قادة التنظيم.

يمكنكم متابعة رضوان مرتضى عبر تويتر | @radwanmortada