مسقط | في شباط 2011، خرج شباب عمانيون للتظاهر رافعين مطالب معيشية ثم إصلاحية، احتوتها السلطنة ببعض الإصلاحات ونجحت في تجاوز الانتفاضات العربية. هذا النجاح يعود بشكل أساسي الى السياسة الخارجية التي ينتهجها السلطان قابوس، والتي تقوم على الحياد وعدم التدخل، والتحرك بصمت وهدوء لتقريب الحلفاء المتخاصمين. وأيضاً الى حنكة سياسة داخلية، عملت على تقديم مكاسب اجتماعية كان قادرا على إعطائها بفضل عدم اهتمامه بصرف الجهد في كسب نفوذ إقليمي قد يجلب الضرر أكثر مما يجلب النفع.


غير أنّ ما تحقق من استقرار ليس دائماً؛ فهو ينتظر تدعيمه بخطوات تدريجية لاحقة لا تكون صادمة ولا تتعدى على خصوصية المجتمع العُماني، على ما يفيد المسؤولون العمانيون الذين يدركون الحاجة الى التغيير عاجلاً أو آجلاً، وهم يعلنون، وان ظهر الأمر خجولاً، الحاجة الى إصلاحات وديموقراطية. ولعل أبرز ما يبغونه ولم ينالوه بعد، هو فصل منصب رئاسة الحكومة عن السلطان، ليكون خاضعاً للمحاسبة.
يصف وزير الاعلام العماني عبدالمنعم بن منصور الحسني، سياسة بلاده، بأنها سياسة هدوء وتوازن، تقوم على مبدأ عدم التدخل في سياسة الغير. إنها مبادئ «التسامح والعفو وعدم التدخل». يستعرض تجارب السياسة الخارجية لبلاده منذ كامب دايفيد وحرب الخليج، حين قامت على الحيادية.
يستطرد ليؤكد أن سلطنة عمان وسياسة السلطان تدعمان الحل السلمي لأي صراع، والعمل من أجل دفع الأفرقاء المتخاصمين للجلوس الى طاولة الحوار. هذه السياسة أفادت السلطنة في الداخل. وهنا مربط الفرس.
ما بين ١٩٧٠ و ١٩٧٥، وقعت في المملكة حرب طاحنة استنزفت البلاد. يقول وزير الإعلام إن المجتمع العماني مكوّن من قبائل متناحرة ومن عدة مذاهب، هناك الإباضي والسني والشيعي، وفي حال عدم اعتماد مبدأ الحياد «كنا وقعنا بما جرى في الستينات».
في ستينات القرن الماضي، وقعت ثورة ظفار في الإقليم الجنوبي المحاذي للحدود مع اليمن، إبان حكم السلطان سعيد بن تيمور. حملت هذه الثورة التي كُنيت نسبة الى اقليم ظفار ايديولوجية اشتراكية، وغذّاها إقليم اليمن الجنوبي الاشتراكي، حيث كان يتم تمويل الثوار من قبل الزعيم الليبي السابق والمخلوع معمر القذافي وتدريبهم من قبل الاتحاد السوفياتي السابق، الى أن نجح السلطان قابوس، بدعم دولي وفي ذروة الحرب الباردة، في إخماد الثورة في ١٩٧٥، بعدما سمح بتكوين جيش خاص غير نظامي لثوار ظفار يقدر بالآلاف.

توافق في الرؤى

السياسة الخارجية هي احد المواضيع التي يتفق على خطوطها مختلف المسؤولين العمانيين. يصف وزير الإعلام العلاقة مع إيران بأنها ليست طارئة، بل كانت ثابتة في مختلف الأزمات السابقة. عمان ترعى المصالح الإيرانية في لندن، وكان لها دور في إخراج الرهائن الأميركيين من إيران في العام 2010. في الوقت نفسه، عُمان دولة خليجية عضو في منظمة مجلس التعاون الخليجي، التي تصدر بين الفينة والأخرى قرارات معادية لإيران، جرّاء تدخلها في الشؤون الخليجية، كما يقولون. كيف تنجح السلطنة في إدارة هذه اللعبة؟ حليفة متخاصمين، ان لم نقل عدوين. عُمان تلتزم بقرارات دول مجلس التعاون، لكن تحتفظ لنفسها بخصوصية إدارة سياستها الخارجية وبناء علاقات آمنة مع جيرانها. تلك العلاقة مع إيران ودول مجلس التعاون هي التي حمت عُمان. يُلحظ أن المسؤولين هناك يتجنبون الحديث عن حزب الله، الذي نالت منه القرارات الخليجية الأخيرة بوضعه في خانة «المنظمات الإرهابية» لديها. لكن هذا لا يعني بتاتاً عدم متابعتهم الدقيقة لما يجري في منطقتنا. يحرصون على القول: «أيدينا ممدودة للجميع».

بدلاً من العمل على تعزيز وضعها كقوة إقليمية، بحكم موقعها الجغرافي، انصرفت السلطنة الى بناء الداخل، معتمدة على سياسة «صفر أعداء». يؤكد رئيس مجلس الدولة يحيى بن محفوظ المنذري، أنّه «منذ بداية النهضة المباركة (في إشارة الى مجيء السلطان قابوس) حدّد السلطان: لن نقوم بأي دور عدائي». ويقول إنّه بين إيران وعمان أقل من ٢٥ ميلاً بحرياً، وهناك آلاف السنين من الجغرافيا والتاريخ المشترك، ليس من المناسب أن نُعاديها. لا نتبع سياسة المحاور. ولا نرى في إيران عدوة، وانما جارة وصديقة. ويشدد على أنها «السياسة الحكيمة التي أدت الى ترسيم الحدود بين جميع جيراننا».
الحياد، والحرص على عدم استعداء أي جهة خصوصاً الجيران، لا يعنيان أن دور السلطنة كان سلبياً. بل في كثير من الأحيان كان لها دور «صامت» كوسيط خير، يقول وزير الدولة. ولعلّ زيارة قابوس لإيران في آب الماضي، والتي شكلت مادة دسمة لوسائل الإعلام لتبادل التكهنات حول رسالة حملها الى طهران ودوره في التقريب بين الأخيرة وواشنطن تعبّر عن ذلك. أما في اليمن، فيشير وزير الإعلام الى دور عماني في تهدئة الأوضاع.
لكن ماذا عن البحرين، الأرخبيل القريب؟ هناك حيث تشتعل أزمة قد تهدد بانفجار ضفتي الخليج، وان نفعت مسكنات الحملة الأمنية للسلطة في كبح جماح التغيير في بعض الأحيان. يحرص وزير الإعلام على عدم الاسهاب في الحديث عنها. والسبب واضح. للبحرين وأزمتها خصوصية، تجعلها ساحة للتناوش الايراني الخليجي، ومن أهلها وقوداً للاقتتال، وبناء على المبادئ التي تعتمدها السلطنة في إدارة سياستها الخارجية، فليس لها شأن أو مصلحة للتدخل هناك. عُرضت وساطات عديدة لحل الأزمة والتوصل الى حل سياسي يضمن مزيداً من الإصلاحات، من بينها الخليجية ممثلة خصوصاً في وساطة الكويت، وأخرى أوروبية وأميركية، لكن عُمان وجدت أن مصلحتها في هذه الأزمة تحديداً، حيث الصراع السعودي ــ الإيراني على أوجه، الاقتداء بحكمة عدم التدخل.

حراك 2011

جاء قابوس الى الحكم في بداية السبعينات بعدما أزاح والده سعيد بن تيمور، الذي تخبط حكمه في ثورات وأزمات. كان عمر قابوس آنذاك ٣٠ عاماً . هو أطول الحكام تعميراً في الدول العربية اليوم. كانت العين عليه حين هبت رياح الربيع العربي التي راحت تقتلع حكّاماً مكثوا على صدور شعوبهم سنين عجافاً. غير أنه نجح في الإفلات منها. كان ذلك مهمة سهلة بالنسبة له نظراً لما حققه للسلطنة، يقول المسؤولون العمانيون.
يجد هؤلاء أن السياسة التي اعتمدتها السلطنة لمنع الانزلاق والسيطرة على الاحتجاجات كانت ناجعة. السلطنة لم تمنع التغطية الإعلامية. فتحت المجال أمام أي وفد إعلامي للدخول اليها واستطلاع الأوضاع، كما يقولون مشيرين الى أن السلطان نجح في استيعاب المطالب.
في شباط ٢٠١١، خرجت مجموعة من الشبان للتظاهر متأثرين بحراك شباب الربيع العربي. رفعوا مطالب اصلاحية، لم تصل الى مستوى شعار الربيع: «الشعب يريد اسقاط النظام». بل اكتفت بمطالب تحسين الأوضاع المعيشية، قبل أن يلحق بهم عدد من المثقفين مطالبين بإقرار اصلاحات سياسية وتوسيع هامش الحريات.
عندها أصدر السلطان قرارات تضمنت رفع الحد الأدنى للأجور، واجراء اصلاحات سياسية، حيث اعتمد مبدأ الفصل بين السلطات بشكل مطلق وبات هناك استقلال للسلطات الثلاث، ومُنح مجلس الشورى المنتخب صلاحيات تشريعية ورقابية، كما جرى تفعيل جهاز الإدارة الرقابية.
وشملت الخطوات استيعاب العاطلين من العمل في القطاع العام، حيث جرى توظيف نحو ١١٠ آلاف شخص دفعةً واحدة، غير أن رئيس مجلس الدولة يؤكد أن التوظيف حصل في ظروف استثنائية، مستبعداً أن يترك ذلك آثاراً سلبية. ويقول إن الخطة تقتضي في المستقبل تشجيع القطاع الخاص لتحمل مسؤوليته في استيعاب العمالة العُمانية.
لا بد من الإشارة هنا الى أن المجتمع العُماني فريد عن المجتمعات الخليجية الأخرى. هنا تجد العامل العماني في كل مكان وفي أي عمل، هو سائق السيارة والخادم في المطعم والفندق، وهو صاحب العمل والوكيل والوزير. لا حاجة لنموذج «سعودة» هنا، فالثقافة العمانية تقدّس العمل، وذلك ما يحرص السطان على تأكيده في خطاباته السنوية، بأن كل الأعمال مقدسة.
في ذلك الوقت، هبّت انتفاضة البحرين أيضاً. عندها سارعت الدول الخليجية للنجدة، خوفاً من امتداد الحراك الى ربوعها. وأقرّت دول مجلس التعاون الخليجي حزمة من المساعدات لكل من البحرين وعمان قُدرت بـ ٢٠ مليار دولار؛ عشرة لكل منهما. لكن وزير الإعلام يؤكد أن الأموال الخليجية لم تُستخدم لاستيعاب الحراك، وأن معظمها وُجه نحو أرصدة ومشاريع مرتبطة بمجلس التعاون الخليجي.
يؤكد وزير الإعلام أن الاحتجاجات حملت مطالب اقتصادية بشكل أساسي. ولا يتطرق الى حرية الرأي. لكن يُلحظ أن لا وجود في السلطنة لحركة أحزاب سياسية. النظام سلطاني مطلق ويمنع تشكيل مثل هذه الأحزاب. قابوس هو الآمر الناهي. هناك جمعيات مدنية مختلفة المشارب والتوجهات، وفق تبريرات المسؤولين، الذين يجدون فيها بديلاً مؤقتاً عن الأحزاب.
وفي تأكيده على وجود حرية الرأي والتعبير، يشير وزير الإعلام الى الصحف العمانية، التي تتبنى كل منها خطاً سياسياً على النقيض من الأخرى، ولكن فقط في المواقف من الأحداث الساخنة في المنطقة. صحيفة «الوطن» على سبيل المثال، تقف الى صف النظام السوري، وتدافع عنه. يلحظ ذلك بوضوح في تغطيتها للحدث هناك، حيث تفرد على جزء من صفحتها الأولى متابعة لتطورات الأزمة، وتحرص على اعتماد عناوين وتعابير وأسلوب تعبر عن موقفها بوضوح. فيما تتبى صحف أخرى سياسة السلطنة القائمة على الحياد في التعاطي مع الأزمة، خصوصاً الصحيفة الرسمية «عمان» الناطقة باسم المؤسسة الحاكمة.

حقوق الإنسان

بعد حراك ٢٠١١، جرى تفعيل لجنة حقوق الإنسان، حيث تابعت شؤون المعتقلين إثر الاحتجاجات وضمان حصولهم على حقوقهم خلال المحاكمة والاعتقال. هذا ما يؤكده الأمين العام للجنة، رافضاً مقولة إنها فُعّلت جرّاء الاحتجاجات، اذ إنّ قرار إنشائها سابق لها ويعود الى عام ٢٠٠٨ بقرار سلطاني.
الأمين العام يرفض الحديث عن وجود معتقلي رأي في السلطنة، رغم تأكيد كثيرين اعتقالهم وملاحقتهم بسبب مقال كتبوه أو رأي مناقض لمشيئة السلطان أدلوا به. يردّ الراشد أنّه «بموجب القانون العماني، ليس هناك ما يسمى معتقل رأي، فمن يعتقل بسبب آراء كتبها أو تظاهرة سيّرها أو سار بها يكون مرتكب جرم لأنه خالف القانون عبر قطعه الطرقات وتعطيل المصالح. ولكن اذا كان التظاهر قد راعى الأصول القانونية بالحصول المسبق على ترخيص يوضح مكان التظاهر وزمانه وأسبابه فلا يجري التعرض له. وان كتب أو أدلى بآراء تتعرض للأمن الوطني يُعتقل». اذاً هو، كما يقول الأمين العام للجنة، مجرم خالف القانون. القانون العماني يمنع المسّ بالذات السلطانية، غير أن الراشد يؤكّد أيضاً عدم وجود معتقلين حالياً بهذه التهمة في السجون العمانية.
يبقى أمر جدير بالملاحظة يساهم في تعزيز حكم السلطان، وهو عدم وجود نفوذ للعائلة الحاكمة في الحكومة. هذا لا يعني أننا أمام حكومة مثالية مقارنة بالسلطات الملكية والأميرية او السلطانية. أحد المطالب التي رُفعت في حراك شباط ٢٠١١، كان إعطاء مزيد من الصلاحيات للحكومة، وهو ما حصل، غير أن ما لم يتحقق بعد، ويطالب به العمانيون في مجالسهم الخاصة، وبأصوات متواضعة، هو إطلاق سراح منصب رئاسة الحكومة من يد السلطان، الذي يعتبر رئيسها. عمانيون كثر يمكثون على وعد تحقيق هذا المطلب، ولديهم من الصبر ما يكفي لنيل مرادهم يوماً ما. صبرٌ يأتي من ولائهم للمقام السامي (السلطان) وحكمته، كما يظهرون في أحاديثهم ومواقفهم.




قابوس والقضاء


بين العفو السلطاني واستقلالية القضاء يصدر السلطان عفواً في خمس مناسبات خلال العام. في العيد الوطني وذكرى الاسراء والمعراج وفي ذكرى المولد النبوي وعيدي الفطر والأضحى. وعادة ما يشمل عفوه من يعدّون معتقلي رأي. خلال زيارة «الأخبار» لمركز اللجنة، صودف حصول إضراب للمعلمين في القطاع الخاص للمطالبة بتحسين أوضاعهم، وكان حديث الساعة.
يدل الأمين العام للجنة الى مجموعة حوادث للتأكيد على «الشفافية واستقلالية القضاء». يقول إن المحكمة الإدارية أصدرت أخيراً قراراً بابطال قرار رئيسها، حيث اعترض موظف على قرار نقله من قبل القاضي وطعن به، فقبلت المحكمة الطعن. رغم إصرار الأمين العام للجنة على أنّ «الاصلاحات والرقابة سابقان للاحتجاجات»، يعود ويقرّ بأن «التطور في الحقوق حصل بعد شباط ٢٠١١، حيث بات هناك وعي وصار عمل الهيئات القضائية والحقوقية أكثر جرأة».




ثنائية برلمانية

تعتمد سلطنة عمان نظام الثنائية البرلمانية، حيث يوجد مجلسان: مجلس الدولة، وعدد أعضائه ٨٤ وهو معين من قبل السلطان. عادة ما يكون أعضاؤه من ذوي الخبرة وفق معايير السن والخبرة والكفاءة. ومجلس الشورى، عدد أعضائه أيضاً ٨٤. وهم منتخبون من مختلف المحافظات، حيث لكل محافظة ممثلون بنسبة عدد سكانها.
تتخذ القرارات في المجلسين بالإجماع، وان تعذر يجري التصويت، بالغالبية العادية أو الساحقة، بحسب القرارات موضع البحث. وبموجب تعديلات ٢٠١١ اصبح للمجلسين صلاحيات تشريعية كاملة، فضلا عن الرقابة المالية واستجواب الوزراء وحجب الثقة عن الوزير.