دمشق | نتوصّل إلى مقدار الوفر المفترض على الدولة تحقيقه من خلال زيادة سعر البنزين عبر عملية حسابية بسيطة؛ إذ انطلاقاً من كون كمية الاستهلاك هي بحدود 1.75 مليار ليتر سنوياً، وكلفة استيراد الليتر الواحد هي 1.2 دولار، أي نحو 200 ليرة سورية لليتر بسعر صرف 167 ليرة للدولار الواحد، يكون الوفر بحدود 50 مليار ليرة سورية سنوياً.

وإذا أضفنا هذا الوفر عن الزيادة السابقة لأسعار البنزين، التي يقدرها الاقتصاديون بنحو 17 مليار ليرة، فإن نتيجة رفع سعر البنزين مرتين متتاليتين هي ربح مقداره 67 مليار ليرة في أحسن الأحوال!
يبدو الرقم السابق مجرداً وغير ذي معنىً، ما لم يُقرَن بأرقام محسوسة أخرى مثل رقم التهرب الضريبي الذي يصل في السجلات الرسمية إلى حدود 150 مليار ليرة سورية، فيما يقول بعض الباحثين إنّه قد يصل إلى ضعف هذا المبلغ إذا ما أدخلنا في الحساب جملة المصالح الخاصة الخارجة عن القيود جزئياً أو كلياً لأسباب مختلفة تتدرج من الفساد إلى الاعتبارات السياسية. وبالنسبة إلى هذه الأخيرة، تبرز شركة «الديار» القطرية، وهي شركة سياحية كبرى كأحد الأمثلة الصادمة وغير المفهومة؛ إذ حصلت هذه الشركة على حق الانتفاع بمساحات واسعة من شواطئ اللاذقية وصلت إلى 268 ألف متر مربع ولمدة 99 عاماً وبنسبة هزيلة تحصل عليها الدولة من إيرادات التشغيل هي 7% للسنوات العشرين الأولى و9% لبقية المدة.
ويدور اليوم جدل واسع حول استمرار الشركة أو فسخ عقدها لأنها رغم الشروط المجحفة بحق الدولة فإنها لم تلتزم أداء استحقاقاتها تجاهها، وسرّب لـ«الأخبار» أحد المسؤولين في جهاز الرقابة والتفتيش المركزي، رفض الكشف عن اسمه، أن الحفاظ على المصالح القطرية في سوريا هو في «إطار تبادل المنافع مع فاسدين كبار داخل جهاز الدولة يملكون أبراجاً وسلسلة مطاعم ومصالح اقتصادية متنوعة في قطر، على مبدأ حكّلي لحكّلك».
بالعودة إلى منطق رفع أسعار المحروقات، فإن تبرير هذا الرفع بأرقام الوفر المتحققة للخزينة ليس بالتبرير القوي، فهي أرقام هزيلة، سواء قورنت بالاحتياجات أو بالمصادر الأخرى للموارد. ولذلك فإن منطقاً آخر تتداوله أوساط داخل جهاز الدولة يبدو أكثر إقناعاً، ويقوم هذا المنطق ضمن حدين: الأدنى هو تفسير رفع الأسعار بعطالة المرحلة الليبرالية التي اعتادت الدولة خلالها تحصيل احتياجاتها المتنامية من جيوب الناس عبر مزيد من التضخم بعيداً عن أي مساس بما يسمى «رجال الأعمال»، التعبير الذي يتضمن الفاسدين الكبار بطبيعة الحال. وفي حده الأعلى، يقوم تفسير رفع أسعار المحروقات على فكرة مفادها: سعي مجموعة من المتنفذين إلى إيصال أسعار المحروقات إلى السعر العالمي تحضيراً لخصخصة توزيعها، حيث تعتبر خطوة إيصال السعر إلى حدوده العالمية إلزامية لمن يريد نقل أرباح «سادكوب» - الشركة العامة لتوزيع المحروقات - للقطاع الخاص نقلاً نهائياً، بما يضمن إخراجها من «رأس الكوم» قبل أية محاصصات مقبلة في جنيف أو سواه، وهي أرباح ذات أهمية وازنة ضمن تقسيم موارد الدولة. وإذا كانت هذه الفكرة قد ابتعدت جزئياً خلال الأشهر القليلة الماضية نتيجة وصول سعر صرف الدولار إلى حدود عالية غير مسبوقة تعقد عملية الوصول بالرفع إلى حدود السعر العالمي، فإن عودة الدولار إلى حدود معقولة خلال الشهر الماضي، واحتمالات استمرار تراجعه بناءً على الظرف السياسي الداخلي المرشح لاستقرار نسبي على أساس «جنيف 2»، وبناءً على الوضع الأميركي المعقد والمتراجع، كل ذلك يعيد إلى الفكرة حيويتها، بل ويجعلها أولوية على جدول أعمال الفساد الكبير.
وكان نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، قدري جميل، قد لمّح خلال مؤتمر «الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير»، يوم السبت 6 تشرين الأول، إلى أنّ «رفع سعر البنزين جاء فداءً للمازوت»، بما يشير إلى أن الاستهداف كان رفع سعر المازوت، لكن التفاوض أوصل إلى رفع سعر البنزين وتأجيل المازوت، الأمر الذي لا يلغي احتمال رفعٍ جديدٍ قريبٍ لسعر المازوت.