تونس | تبدو ملامح خريطة الطريق التونسية، التي من شأنها إنهاء الأزمة بين الترويكا الحاكمة والمعارضة، سوداء قاتمة، في ظل تأجيل أولى جلسات الحوار الوطني أمس، بينما سيطر الحدث الأمني على غيره من تطورات سياسية مع مقتل ستة أشخاص في مواجهات بين قوى الأمن وسلفيين شهدها مهد الانتفاضة سيدي بوزيد.

وبينما كان التونسيون يحبسون أنفاسهم بانتظار مع سينتج من الجلسة الأولى للحوار بين القوى السياسية، أتت الأحداث الأمنية لتدفع الأمور نحو التصعيد؛ إذ أعلن رئيس الحكومة علي العريض رفضه الاستقالة،
وأكد أنه لن يرضخ لمطالب المعارضة، التي حمّلها مسؤولية تأخر انتهاء المسار الانتقالي.
ودعا التونسيين إلى «اليقظة لمقاومة مساعي الفوضى والإرباك»، مشدداً على أن «الأولوية هي لمقاومة الإرهاب».
ولأن استقالة الحكومة هي الشرط الأساسي للمعارضة للسير في جلسات الحوار مع الترويكا الحاكمة، يمكن تفسير موقف العريض بأنه إعلان لفشل الحوار.
سبق ذلك تطورات أمنية شهدتها مدينة سيدي علي بن عون التابعة لمحافظة سيدي بوزيد (وسط غرب)، حيث أفاد مصدر أمني بأن ستة من رجال الأمن التونسيين قُتلوا في مواجهة مع مسلحين إسلاميين في مهد انتفاضة الربيع العربي.
وأشار التلفزيون الرسمي التونسي إلى أن الاشتباكات التي وقعت في منطقة الونايسية، أدت إلى مقتل اثنين من «الإرهابيين» وإلى وقوع عدد من الجرحى من الطرفين. وهذه المواجهة هي الثانية بين أنصار الشريعة وقوات الأمن خلال أسبوع.
وفيما أعلنت جبهة الإنقاذ الوطني تعليق مشاركتها في الحوار الوطني على خلفية مواجهات سيدي علي بن عون، وعدم إعلان رئيس الحكومة استقالته، أُعلن إضراب عام يُنفذ اليوم في محافظة سيدي بوزيد.
وجاءت المواجهة العسكرية أمس بعد صدور قرارات تأديبية بحق القياديين في نقابات الأمن، بينما ألقت هذه الحادثة الأليمة بظلالها على الشارع التونسي الذي بدأ يفقد تدريجاً أي حماسة للحوار الوطني، وبالتالي صعوبة اي إمكانية للتوافق. هذا المناخ قد يفتح البلاد على المجهول.
وكانت بطاقة إيقاف عن العمل وفتح تتبع قضائي قد صدرت أول من أمس بحق الكاتب العام لنقابة الحماية المدنية، حلمي الوسلاتي، على خلفية أحداث ثكنة العوينة، التي رُفِعت خلالها شعارات «ديقاج» ضد الرؤساء الثلاثة.

في الوقت نفسه، اضطرت ميليشيات «رابطات حماية الثورة» التابعة لحركة النهضة والضالعة في غالبية أحداث العنف التي استهدفت المعارضين في تونس، إلى الانسحاب من محيط شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة أمس، أمام الحشود البشرية التي استجابت لدعوة جبهة الإنقاذ والمنظمات والجمعيات النسائية والشبابية أمس، والتي تظاهرت مطالبة برحيل الحكومة.
وفي الذكرى الثانية لصعود الترويكا إلى الحكم، قال عضو المجلس الوطني التأسيسي، المنجي الرحوي، القيادي في الجبهة الشعبية، إن «الترويكا تمثل الثورة المضادة بأنها خانت أحلام التونسيين الذين صنعوا ثورة من أجل الحرية والكرامة، فلم يتحقق لهم شيء بعد 3 سنوات، بل تدهورت حياتهم بنحو غير مسبوق».
وكان وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، سمير ديلو، قد حذّر من أن الشعارات التي رفعها المتظاهرون في شارع بورقيبة أمس، والتي تتهم الحكومة بالإرهاب والقتل والاغتيال، قد تؤثر في مضمون كلمة العريض.
الموقف ذاته تبناه رئيس كتلة حزب التكتل من أجل العمل والحريات، في المجلس الوطني التأسيسي، المولدي الرياحي، الذي رأى أن الشعارات التي رفعها أنصار الجبهة الشعبية غير مقبولة بالمرة، ورأى أنها لا تُشجّع على الحوار الأمني.
وبينما كانت الأطراف السياسية تستعد لبدء جلسات الحوار، حث زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، الفرقاء السياسيين على «تغليب العقل والتنازل المتبادل من أجل المصلحة الوطنية».
ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن الغنوشي دعوته في بيان نشره الموقع الإلكتروني لحركة النهضة، الفرقاء السياسيين إلى «تفويت الفرصة على كل المتربصين بالتجربة الوليدة في الداخل والخارج».
في أي حال، المواجهة الجديدة بين رجال الأمن والمجموعة السلفية في مدينة سيدي علي بن عون، ستكون لها تأثيرات مباشرة في الحوار الوطني وستعمّق الأزمة الكبيرة بين المؤسسة الأمنية والحكومة، خاصة أن هذه المواجهة حدثت في منطقة عانت طويلاً من التهميش وكانت منطلق شرارة الانتفاضة الشعبية العارمة.