تونس | تفاؤل خجول غمر الشارع التونسي أمس بعد الرسالة التي بعث بها رئيس الحكومة علي العريض أمس، الى الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي، ومن ورائه الى المنظمات الراعية للحوار الوطني، بينما أعلنت جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة قبولها بهذه المبادرة وبالتالي قبولها استئناف الحوار الوطني ظهر أمس.

وكانت الجبهة قد أعلنت تعليق الحوار أول من أمس، وأصدرت بياناً أهم ما جاء فيه أنها «تسجل تعهد رئيس الحكومة باستقالة حكومته في الأجل المضبوط في خارطة الطريق وتعتبر أنها منذ اليوم قد تحولت إلى حكومة مستقيلة في انتظار حكومة الكفاءات المستقلة الجديدة في غضون ثلاثة أسابيع وبناء على ذلك استئناف مشاركتها في الحوار الوطني».
وتؤكد الجبهة أنها على أتم الاستعداد للمساهمة في جميع المسارات، الحكومي والتأسيسي والانتخابي بمنتهى الالتزام ببنود خارطة الطريق لاستكمال أعمال الحوار الوطني في الآجال المنصوص عليها بها.
وتثمن دور الرباعي الراعي للحوار، مؤكدةً حرصها على إخراج البلاد من الأزمة الخانقة.. وخاصة على المستوى الأمني.
وكذلك دعت جبهة الانقاذ الشعب التونسي الى البقاء متيقظاً ومستعداً للدفاع عن أهدافه ولمواجهة الإرهاب، مثمنة «نضالات جماهير الشعب في مختلف الجهات والقطاعات احتجاجاً على الجرائم الإرهابية».
التفاؤل المحتشم الذي أبداه الشارع التونسي له أكثر من سبب، فلا أحد يثق في حركة النهضة بالنسبة للفاعلين السياسيين الذين اعتادوا تراجعها الدائم عن تعهداتها وخاصة في ملف الحوار الوطني.
لقد تراجعت أكثر من مرة عما وافق عليه زعيمها راشد الغنوشي، الذي لوحظ تراجع حضوره في مختلف وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة، وهو ما فسره بعض المحللين بأنه دليل على تراجع نفوذه في الحركة وصعود نفوذ الجيل الثاني بقيادة علي العريض، رجل النهضة القوي الآن رئيس الحكومة الذي يبدو انه يرفض التوافقات التي وقع عليها الغنوشي.
التفاؤل الحذر للتونسيين لا يعود لانعدام الثقة في حركة النهضة فقط، بل الى انهيار الوضع الأمني. فلأول مرة انتشرت قوات الأمن بشكل غير مسبوق وبفرق أمنية لم يعتد المواطن التونسي رؤيتها سابقاً، حتى في الأيام التي سبقت سقوط نظام الجنرال زين العابدين بن علي.
ولوحظ انتشار غير مسبوق للفرق الأمنية في الشوارع الرئيسية وساحات العاصمة وإخضاعها بعض المواطنين نساءً ورجالاً الى تحقق من الهوية وتفتيش الحقائب اليدوية.
وكانت العاصمة تونس استيقظت على نبأ إطلاق الوحدات الأمنية الرصاص في ضاحية النصر، التي يقطنها عادة دبلوماسيون ورجال أعمال من أثرياء تونس، على سيارة لم تمتثل لاشارات التوقف عند نقطة أمنية، مما أصاب سائقها بجراح، وتبين فيما بعد أن المجموعة التي تستقل السيارة لها علاقة بالأعمال الإرهابية. وفي ذات السياق، واصلت الفرق المختصة من الجيش والحرس والشرطة مداهمة أوكار المجموعات الإرهابية في مدينة صفاقس، العاصمة الاقتصادية للبلاد، إضافة الى مدينة القيروان التي تُعدّ أحد معاقل السلفيين وفي جهات مختلفة من تونس.
وفي الوقت الذي واصلت فيه الوحدات الأمنية والعسكرية دكّ معاقل الإرهابيين بدعم شعبي تلقائي غير مسبوق، تواصل احتقان الشارع التونسي ضد حكم الترويكا وخاصة كبرى أحزابهم (النهضة)، اذ نزل آلاف التلاميذ والطلبة في مختلف الجهات للتنديد بحكومة «الرصاص والاغتيالات».
كذلك هاجم تلاميذ معاهد ضاحية قرطاج القصر الرئاسي وتجمعوا بالمئات أمامه، رافعين شعارات تنديد بالرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي، وشريكة حزبه (المؤتمر من أجل الجمهورية) في الحكم (النهضة)، فيما تواصلت المؤشرات الاقتصادية السيئة إذ أعلن صندوق النقد الدولي عن مخاوفه من الوضع في تونس وطالب بإصلاحات عاجلة لتجاوز المناطق الحمراء التي تهدد البلاد.
هذه المعطيات تتزامن مع الخطاب الذي ألقاه «عجوز» السياسة التونسية الباجي قائد السبسي، أول من أمس على قناة «نسمة» المملوكة لرجل الاعمال التونسي طارق بن عمار ( يملك قناة وان تي في في مصر ايضاً).
وقد طالب السبسي، الذي يتزعم جبهة الإنقاذ، رئيس الحكومة بالاستقالة «خوفاً من الله ان لم يكن استجابة للضغط الشعبي».
هذا الاحتقان الذي يغرق فيه الشعب التونسي دفع عدداً كبيراً من المواطنين، وحتى من النخب، الى اعادة تقييم كل ما حدث منذ رحيل النظام السابق. اذ لم يعد احد من التونسيين تقريباً باستثناء أنصار «النهضة» ومن بقي من أنصار «حزب المؤتمر»، والأحزاب المنشقة عنه وهم قلة قياساً بأحزاب المعارضة، يؤمن بهذه «الشرعية» التي انتهت منذ عام. الى حد ان بعض المواطنين رفعوا صوراً للرئيس بن علي في تظاهرات ٢٣ تشرين الأول. فهل ينقذ الحوار الوطني، الذي انطلق ظهر أمس بشكل محتشم، تونس من مصير غامض تحت سماء يكاد يغطيها الرصاص؟ أم تغرق البلاد التي فتحت الباب للربيع العربي، في الفوضى وربما أكثر؟