ريف دمشق | تتوسَّط مدينة حرستا المناطق الساخنة على الجبهة الشمالية لريف العاصمة السورية، حيث تشكِّل المدينة مركز الدائرة الواصلة، بين مناطق دوما ومسرابا وعربين وزملكا وبرزة، وجميعها تمثِّل المنطقة الأكثر نفوذاً للمعارضة المسلحة في الريف. إلى جانب الأهمية التي تكتسبها حرستا، نتيجة موقعها المتوسط في دائرة النار، يبرز عاملٌ آخر يزيد من رصيد المدينة، وهو أن الطريق الدولي ما بين محافظتي دمشق وحمص، يمر في حرستا، فيفصل المناطق السكنية الواقعة في شرق الطريق عن بساتين الزيتون غربيها، وهذا ما جعل المسلحين في المدينة قادرين، نظرياً، واحياناً عملياً، على شل حركة السير بين العاصمة وحمص. وتزداد أهميتها بوجود عدد كبير من المؤسسات والفروع الأمنية فيها، كالفرع الرئيسي للمخابرات الجوية، الذي تبنَّت «جبهة النصرة» عملية تفجيره أواخر العام الماضي، وإدارة المركبات العسكرية التي تكفَّل «الجيش الحر» باستهدافها بقذائف الهاون. وتعتبر المدينة من أوائل المناطق التي نحى فيها الاحتقان الشعبي منحى التسلح. ويعود ذلك إلى طبيعتها وتداخلها الجغرافي اللذين سهَّلا وصول السلاح إليها من المناطق المجاورة، قبل أن تتحول هي ذاتها إلى إحدى أهم مراكز تأمين الإمداد لمقاتلي الريف الشمالي.

الوصول إلى حرستا بات عصياً على المدنيين، فالطريق الوحيد المفتوح ما بين حرستا والمناطق الأقل سخونةً في برزة قد تم إغلاقه، نتيجة المعارك الطاحنة الدائرة هناك. ومن غير الممكن الدخول إليها من طريق المتحلق الجنوبي، لأنه مغلق منذ أكثر من سنة، بسبب اشتداد المعارك على جبهتي زملكا وجوبر، الواقعتين على أطراف الطريق. أما عن المدنيين، فقد «نزح الجزء الأكبر من سكان المدينة باكراً، لا سيّما من لديه أطفال أو مسنون، فاحتمالات الموت بدأت بالتصاعد، منذ أكثر من سنة، ولم يبقَ هناك سوى عدد قليل من عائلات المسلحين، وهؤلاء لا يغادرون المدينة أبداً»، يروي م. الشعار، أحد النازحين إلى منطقة ركن الدين. ويضيف في حديثه مع «الأخبار»: «المشكلة الأكبر التي يواجهها النازحون من المدينة، هي المعاملة على أساس الانتماء المناطقي. فأصحاب الشقق السكنية يرفضون تأجيرك لمجرد أنك من حرستا، فهم، حسب ما يقولون، لا يريدون الدخول في دوامات مع الدولة. هذا عدا التضييق الأمني الذي نتعرض له على الحواجز في الطرقات. كل سكان حرستا يدفعون ثمن حمل السلاح، وهذا ظلم».

القابون أولاً...

ميدانياً تتركز الاشتباكات في مدينة حرستا على أطرافها المتاخمة لمؤسسة الموارد المائية، والبساتين الواقعة في جنوبي غربها، بينما يلجأ الجيش السوري إلى القصف الجوي لإعاقة تحركات المسلحين، أو لإبقائهم بعيدين، ما أمكن، عن أطراف المدينة، لا سيّما أن القنَّاصة المتواجدين على طول أطراف الطريق الدولي، باتوا يشكلون عائقاً حقيقياً أمام نقل البضائع والحاجيات الضرورية إلى محافظة حمص.
ومع استمرار المعارك على جبهات القابون وزملكا وجوبر، يبدو أن الأولوية لدى الجيش السوري هي الحشد المكثَّف لضرب معاقل المسلحين في مدينة القابون، مما يفتح الباب للتقدم البري نحو مناطقها الشمالية، المتاخمة للبساتين الغربية من مدينة حرستا. عندها يمكن استغلال تأمين الشق الغربي من المدينة لخوض معركة حرستا بزخم بري كبير، مترافق مع سلاح الجو.

تسوية تشق الطريق نحو هدنة

واليوم، يكثر الحديث عن تسوية يعدّ لها بين المسلحين في حرستا والجيش السوري، وذلك لتفادي قطع الطريق الدولية كل حين. وخلال الأسابيع الماضية، كانت لا تزال حيثيات هذه التسوية غير معلنة، إلا أنه خلال الأيام القليلة الماضية، بدأت معالمها تتضح أكثر. يروي محمد الشامي (اسم مستعار)، وهو أحد الوجهاء الذين يعملون على التواصل بين الطرفين على الأرض: «بدأت، منذ أسابيع، الجهود الرامية إلى إعادة الحياة للطريق الدولي بين الشام وحمص. بعض المسلحين أبدوا استعداداً تاماً للتعهد بعدم التعرض لهذا الطريق. إلا أنهم اشترطوا لذلك ألا يعود إلى حرستا إلا سكان حرستا الأصليون. أما من كان يسكن في المدينة من غير أهلها فلا يعود إليها. ولكن حتى اليوم لم يتم الاتفاق على التسوية، لأسباب عديدة، ولكن إن تمت فقد تكون فاتحة لهدنة ما بين المسلحين والجيش السوري». والجدير بالذكر، أن هناك نزعة سائدة عند مسلحي دوما وعربين وحرستا وبرزة لإجبار ما يصفونهم بـ«الغربتلية» (أي القاطنين من غير أهل المدينة الأصليين) على مغادرة مناطق نفوذهم، بعد الاستيلاء على منازلهم، وتحويلها إلى مقار عسكرية.
وما أن جرى الحديث عن التسوية، حتى احتدم الصراع بين المسلحين الموجودين في حرستا. فالمتشددون منهم يرفضون أية محاولة تقود إلى وقف القتال على الأرض، بينما يبدو آخرون أكثر اندفاعاً باتجاه هذه الحلول، وهم من يصفهم الشامي بـ«إما بسطاء تم التغرير بهم، أو حملوا السلاح بدوافع ثأرية. وعندما تجلس مع هذا النوع من المسلحين، يبدي حماسة تجاه فكرة توحيد بندقيتهم مع الجيش السوري لقتال مسلحي داعش وجبهة النصرة، لأنهم في الواقع قد ذاقوا الويلات من تنظيمات كهذه». أما مسلحو دوما وعربين فقد اعتبروا هذه التسوية، وأية تسوية أخرى بمثابة الخيانة، وعليه هددوا بإمطار حرستا بقذائف الهاون، فيما لو نجحت.
وبعد مرور أكثر من سنة ونصف السنة على الاشتباكات في حرستا، يبدو وضع المدينة اليوم كارثياً. عدد الأبنية السكنية المتضررة ضخم جداً، ومعارض السيارات، التي كانت منتشرة بشكل كبير في المدينة، نهبت جميعها، وبعضها أحرق. أما مؤسسات الدولة، فقد نالت الحصة الأكبر من السرقة والقصف والحرق. لم يعد هناك مدارس، والماء والكهرباء والغاز والمحروقات مقطوعة منذ أكثر من سنة. يقول أيهم رحيم، النازح مؤخراً من حرستا: «الوضع هناك أشبه بالفاجعة. على طول الشارع الرئيسي أبنية محروقة أو مهدمة. النسبة الساحقة من المحال التجارية متضررة جراء التفجيرات والقذائف. مقتنيات معظم البيوت أصبحت في الشوارع، أما هياكل السيارات المحروقة وحاويات القمامة فصارت تستخدم متاريس حربية. قد يحتاج إعادة إعمار المنطقة إلى سنوات كي تصبح قابلة للحياة». وبعد مضي عامين على الأزمة في حرستا، يبدي مدنيوها رغبةً شديدة بالتوصل إلى تسوية قد تعيدهم إلى المدينة، ما يفرض على الأرض تواجهاً بين المدنيين والمسلحين الراغبين بالحل ضد المسلحين المتشددين وبينهم القادمون إلى حرستا من خارج سوريا. لا سيما أن النازحين منها قد طالت فترة نزوحهم، بالتوازي مع التضييق الذي يتعرضون له في المناطق التي نزحوا إليها.