حلب | اعتاد أبناء مدينة حلب تساقط القذائف هنا وهناك. هي تعوق حلم الأطفال في الخروج من المنزل واللعب في الشوارع. لكن الصغار لا يلبثون أن يلتقوا في كل مرة تهدأ فيها وتيرة المعارك.

حي سليمان الحلبي هو أحد الأحياء الشعبية التي حررها الجيش السوري من المسلّحين، وبقي فيه رصاص القنص وقذائف الهاون. لم ييأس الأهالي هناك. سيدة تعبر الشارع مع طفلها، وعلى بعد عشرات الأمتار تتساقط قذائف الهاون. هناك، فجأة، صوت انفجار كبير، يلفت انتباه فتية يلعبون «الفيشة» أمام مدرسة، وقد انتهى دوامهم الدراسي. يتبعه صراخ أحد العسكريين بالتوجه إلى البيت «يالله فوتوا ع بيوتكم بلشت الهاونات». أخلى الأطفال الشارع في دقيقة، فيما يمرّ عبر الحاجر مدنيون، وكأن شيئاً لم يكن.
في اتجاه آخر، يتواصل أحد القادة الأمنيين مع جنوده. تتحرك المدرّعة وتشق طريقها باتجاه الهدف: «راجمة لإطلاق الصواريخ محلية ومدافع الهاون». يتأهّب رامي الرشاش، وهو أحد السكان. فالمعركة بعد دقائق. يتلو صلاته ويطلب من قائده عدم تصويره. فعائلته تعيش في حي مجاور ينتشر فيه «مسلحون تكفيريون، يقتلون عائلة أي عسكري في الجيش وينهبون بيته»، بحسب العسكري.
بدأ المسلّحون التكبير في الصاخور والشيخ خضر، وصرخات «لبيك لبيك لبيك يالله» تعلو المكان، فيما توقفت الحياة في حي سليمان الحلبي. تنادي الأمهات أطفالهن الذين يسترقون النظر من خلف ستائر الشرفات، في الوقت الذي يمنع فيه الجنود حركة المدنيين في الشوارع. «لا بد أنهم لديهم «عواينية» بين السكان لإخبارهم بتحرك الدبابة والجيش»، يقول أحد الجنود.
تتساقط عدة قذائف هنا وهناك، يحذّر القائد جنوده بالتزام الجدران وتوخي الحذر. «الهدف الإرهابي في مرمى النار»، تنطلق قذيفة واحدة. بعد ثوانٍ قليلة يأتي الرد، «إصابة الهدف».
تتابع الدبابة عملها، تناور وتنسحب من خط المواجهة. «جثث الإرهابيين على بعد عشرات الأمتار فقط منها، لا يمكن المخاطرة أكثر، فلديهم صواريخ حرارية»، يشير القائد متابعاً توجيهاته.
أُحبط هجوم المسلحين. لم يحتج الأمر إلى طلب مؤازرة، «فالإصابة المحققة الأولى أصابتهم بالهلع، والثانية أفقدتهم صوابهم»، يشرح أحد العسكريين. ويروي زميل له: «هذا هو الروتين الذي نعيشه مع الإرهابيين، الضربات القوية التي تلقوها جعلتهم يفرون وينهون هجومهم، ولولا ذلك لضربوا هاونات أكثر على المنطقة انتقاماً».
خرجنا من منطقة المواجهة. يتلقى السائق اتصالاً من زوجته، لتخبره بإصابة زوج خالته أبو فراس بقذيفة هاون في سليمان الحلبي. يلتفت السائق ليخبرنا بأن منزله خلف المكان الذي كنا فيه منذ قليل.
يؤكد أحد الوجهاء في الحي أنه لم يسجّل وقوع ضحايا في الأرواح، لكن جرح بعض أشخاص فقط، رغم سقوط أكثر من عشر قذائف هاون وصواريخ، فيصحح له أحد العسكريين: «سقطت أكثر من عشرين قذيفة، لكن الكثير من قذائفهم لا ينفجر».
يقترب أحد الأطفال، حسن، باتجاه الكاميرا. حسن، وهو في الصف الخامس، يطلعنا على مكان سقوط «جرة الغاز»، أي مكان الانفجار الذي استهدفه المسلحون. وإلى يوم جديد، يبقى «همّنا الأول حماية المنطقة وأهلها المدنيين، نظرات الأمهات الخائفات. لا تسمحوا للمسلّحين باحتلال بيوتنا مجدداً ونهبها، وخلصونا من الهاونات والصواريخ»، يقول القائد الميداني.
عبد الناصر مرّ من هنا
الحياة في الحيّ تغيرت بعدما طرد الجيش منه عشرات الكتائب والألوية التي خلفت أسماءها على الجدران بأخطاء نحوية وإملائية. عدة مدارس افتتحت وجرى وصل التيار الكهربائي والمياه. دخول الحي والخروج منه يجريان عبر حاجز وحيد. ثمة آلية لضبط حركة غير المقيمين. وسُجِّل السكان في استمارات خاصة لتوزيع مادة المازوت عليهم من طريق مختار الحيّ.
بُني هذا الحيّ في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وهو يشبه في نمطه العمراني مباني القاهرة الإسمنتية في الخمسينيات، وخصص لسكن الطبقة الوسطى من موظفي الدولة آنذاك. كان أول مشروع من نوعه في حلب، بتوجيه من الرئيس عبد الناصر. يقول فريد بوبكي: «لكن الرئيس عبد الناصر لم يزر الحيّ مثل حيّ الكلاسة وساحة سعد الله. ومع ذلك كبار السنّ في الحي يقولون إنه حي جمال عبد الناصر في حلب».
يتحدث رامي (اسم مستعار) عن «وقوف الأهالي مع الجيش. تمكنا من ضبط أحد الإرهابيين الذين يساعدون المسلحين في قصف الحي، يقوم بإخراج عائلته وأطفاله قبل ساعة من الهجوم ويعودون بعد ساعة من انتهائه، شعرنا به وراقبناه وسُلِّم للجيش».
ويتابع الشاب: «قذائفهم كلها عشوائية. هم يدعون أنهم يستهدفون حواجز الجيش والدبابات، ولكنهم يصيبون السكان دائماً، هم حاقدون على أهل حلب لأنهم مع الدولة».
تمر سيدة مسنة، فيصرخ أحد الجنود: «هذه أم شهيد. صَوّرها»، فتقول السيدة: «أنا مريضة بالقلب ما بدي إحكي عن ابني، الله يحمي هالعساكر ولادنا هيدول الله يحميهم عم يحمونا ورجعونا للحارة». قتل ابن السيدة في القوات الخاصة في معركة في إدلب. تمر عائلة عسكري شهيد آخر، يقول أحد السكان: «حارة كلها شهداء مدنيون وعسكريون. كلنا مشاريع شهداء بس ما رح نتركها للعملاء».