تونس | رغم خطاب زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي الإيجابي الداعي الى نبذ العنف والوصول الى انتخابات شفافة، فشل المجلس الوطني التأسيسي التونسي أمس في انتخاب عضو جديد لتعويض مكان القيادي الناصري محمد البراهمي، الذي اغتيل في حزيران الماضي، في لجنة فرز ترشحات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وذلك لعدم توفر النصاب.

وفي سياق التحضير لجلسات مقبلة من الحوار الوطني، استقبل رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، أمس، قادة الوسطاء الأربعة (الاتحاد العام التونسي للشغل وجمعية أرباب العمل «أوتيكا» ورابطة حقوق الإنسان ونقابة المحامين). أما زعيم حركة النهضة، فقد حاول تمهيد الطريق أمام جماعته خلال خطاب متلفز ألقاه أول من أمس، أكد فيه ضرورة الوصول الى انتخابات حرة وشفافة والقطع مع العنف والإقصاء، والنجاح في تشكيل حكومة كفاءات مستقلة والانتهاء من المهمات التأسيسية للمجلس خلال ثلاثة أسابيع فقط.
ورأى الغنوشي أن «القطار وُضِع على السكة الصحيحة وسيصل الى نهايته بتنظيم الانتخابات». خطاب الغنوشي كان خالياً من لهجة التصعيد والوعيد لـ«أعداء الثورة»، كما جرت العادة، ومع ذلك شكّك فيه بعض الناشطين الذين اعتبروه مجرد مسكّنات للتسويق وللخروج من العزلة الشعبية والسياسية التي تعانيها حركته داخلياً وخارجياً.
في هذا المناخ من التفاؤل الخجول، واصلت قوات الجيش والحرس الوطني دكّ معاقل السلفيين، حيث تم اعتقال ٢١ عنصراً ثبت تورطهم في أحداث سيدي علي بن عون، قبل أسبوع.
وتم إلقاء القبض على المجموعة المتورطة في اغتيال رجل أمن في مدينة منزل بورقيبة (شمال) قبل أسبوع، وثبت أن المورّط الأساسي في الاغتيال يبلغ من العمر ٢١ عاماً. وتبين أنه كان من بين مئات الشباب الذين شاركوا في الحرب في سوريا. وكانت مصادر استخبارية أجنبية قد حذّرت الحكومة التونسية من مخاطر عودة «المجاهدين» الذين سيعلنون الحرب على الدولة.
ويبدو أن ساعة الحسم بالنسبة لهذه المجموعات قد اقتربت جراء كميات السلاح ونوعيته التي تم العثور عليها في جهات مختلفة من البلاد، في ظل تسريبات عن تعليمات من زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، بالتوجه الى المغرب العربي وخصوصاً الى تونس التي عانت من هشاشة الوضع الأمني منذ سقوط النظام السابق. تعليمات أغرت المجموعات المتشددة بإمكانية قلب نظام الحكم وإقامة دولة إسلامية.
ولتجاوز هذا المصير الذي يتهدد تونس، تواصلت جلسات الحوار الوطني من أجل ترشيح شخصية لقيادة الحكومة في فترة انتقالية جديدة. وتدارس رؤساء الأحزاب والمنظمات المشاركة في الحوار الوطني أمس أسماء المرشحين الذين قبلت لجنة المسار الحكومي ترشحاتهم.
ورغم التكتم الشديد الذي أحاطت به اللجنة عملها، إلا أن التسريبات تؤكد أنه تم الاحتفاظ بأربعة مرشحين من جملة عشرين؛ منهم ثلاثة عملوا وزراء في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة، والرابع عمل وزيراً في عهد بن علي؛ ومن هؤلاء الأربعة حسب التسريبات أحمد المستيري.
وكان المستيري مقرّباً من الزعيم بورقيبة، وتقلد في عهده وزارات مهمة مثل الداخلية والعدل والدفاع، قبل أن يستقيل من الحزب الدستوري ويؤسس أول حزب معارض في تونس؛ وهو حركة الديموقراطيين الاشتراكيين، وقبل أن ينسحب من الحياة السياسية بعد انتخابات ١٩٨٩، لكن عمره المتقدم (٨٨ سنة) وقربه من الإسلاميين منذ الثمانينيات، يجعلان من قبوله من بقية الأطراف أمراً صعباً.
أما الخبير لدى البنك الدولي وزير التخطيط في عهد بن علي، محافظ البنك المركزي في حكومات محمد الغنوشي وقائد السبسي وحمادي الجبالي، مصطفى كمال النابلي، ورغم كفاءته فإنه محسوب على مقربين من السبسي وهو ما قد يدفع «النهضة» الى رفض ترشّحه.
لذلك ستكون، المنافسة في ما يبدو، بين وزيري بورقيبة؛ منصور معلى ومحمد الناصر. وقد ترجّح كفة معلى باعتبار خبرته الاقتصادية الكبيرة، إذ كان محافظاً للبنك المركزي ووزيراً للمالية والتخطيط بين ١٩٦٦ و١٩٨٣ ثم أسس مصرف تونس العربي الدولي، الذي يُعدّ اليوم واحداً من أكبر المصارف التونسية.
ويحظى معلى بقبول لدى معظم الأطياف السياسية والمنظمات الراعية للحوار أيضاً. كما أن انحداره من مدينة صفاقس العاصمة الاقتصادية للبلاد، التي أقصيت من المناصب الهامة، قد يرجّح كفته.
وسيكون رئيس الحكومة الجديد في مهمة شبه مستحيلة، إذ إنه مطالب بعملية إنقاذ عاجلة للاقتصاد والأمن وتوفير استثمارات سريعة لدفع التنمية والتخفيف من معدّلي الفقر والبطالة. كل ذلك في ظرف وجيز لن يتجاوز العام إن لم يكن أقل.