سُحبت من شعرها من الرواق إلى المرحاض. وضعوا رأسها فيه. سُئلت «وهل كل ما ترينه تقولينه؟». أجابت «هذا عملي أنا مراسلة، وهذا ما أقوم به». جاء الرّد «وهل عملك أن تشوّهي سُمعة البلاد؟».

ما كان هدف الصحافية البحرينية، نزيهة سعيد، تشويه سمعة بلادها. أدّت عملها فحسب. وثّقت القتل المتعمّد الذي مارسته الشرطة ضد المتظاهرين في ثورة «الرابع عشر من فبراير». رأت بعينيها مقتل الشاب عيسى عبد الحسن، بعدما وُجّه السلاح إلى رأسه مباشرةً، وفُجّر بدم بارد.
نزيهة سعيد، لم تكن وحدها في قبضة السجان. إنضم إليها زملاؤها علي جواد، فيصل هيات، منى النشابة، ندى الوادي، عبد الله علاوي، وحسين الدرازي، ليمثّلوا أنموذجاً عن عشرات الصحافيين البحارنة، الذين ما زالوا يُزّجون بالسجون، بتهم تشويه سمعة البلاد والتحريض الطائفي.
وإذا ما تصفح المرء دستور البحرين لظنّ أنه يقرأ دستور عالم المثل (تحدث عنه عالم الإجتماع، توماس مور، في كتابه «اليوتوبيا»). يعزّز الحقوق ويكفل الحريات، ولا سيّما حرية التعبير عن الرأي والصحافة، التي نصت عليها المادة 23 من الدستور المعدل، إذ تشير إلى أن «حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون، مع عدم المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب، وبما لا يثير الفرقة أو الطائفية».

سجنت الصحافية بعدما رأت بعينيها مقتل متظاهر

فصّل الدستور على مقاس «الطاعة». يحمي من يبايع الملك، ولا يتوانى عن تقديم الطاعة له. أما الصحافي، فمخيّرٌ بين أمرين: إما تجاهل مهنيته وحقّه المشروع «دستورياً» بالتعبير، أو دفع ثمن غالٍ لحريته، تماماً كما حصل مع الصحافيين والمدونين الذين جردتهم كتاباتهم من جنسيتهم، كالصحافي عباس بو صفوان وعلي الديري. كذلك، استدعي الصحافي المستقل والكاتب عباس المرشد للمثول أمام المحكمة بتهمة «إهانة الذات الملكية»، في 27 آذار 2014. وقد أغلقت وزارة الإعلام، سابقاً، صحيفة «المنامة» الإلكترونية، التي كان المرشد رئيس تحريرها، في2002، كما منعت السلطات كتبه من البيع والنشر في البلاد.
في عام 2011، وثّق تقرير «اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق»، التي عينها الملك للتحقيق في الإنتهاكات الحاصلة، كيف أن السلطات قيّدت حرية الرأي والتعبير لدى الصحافيين والمصورين والمدونين، وغيرهم من الإعلاميين البحرينيين. وأدّت هذه الحملة إلى فصل العشرات من أعمالهم، وفرض الرقابة على المقالات، والقيام بعمليات قبض وتوقيف، بل وإلى إساءة المعاملة في بعض الحالات أثناء التوقيف.
ورغم التوصية بإرجاع المفصولين لمواقع عملهم، وتأكيد الملك، نفسه، على ذلك، لا تزال المؤسسات الإعلامية الرسمية مصرّةً على عدم إرجاع الصحافيين لمواقع عملهم، ومستمرة في فصلهم تعسفياً.
وأكّدت «لجنة حماية الصحافيين»، وهي منظمة دولية غير حكومية، أن «العديد من الصحافيين، الذين كانوا ينتقدون حكومة البحرين، تعرضوا لحملة مضايقات وترهيب من السلطات». ووثّقت اللجنة، أيضاً، عشرات الحالات لتوقيف الصحافيين، وقد توفي اثنان منهم.
وبحسب «اللجنة»، فإن ما لا يقل عن 68 صحافياً، فصلوا من العمل، واعتقلوا بتهم الخيانة، فيما اضطر بعضهم للهرب إلى المنافي، تفادياً للإعتقال في ظل حملة الترهيب المستمرة.
أوائل عام 2015، فُتح هواء «قناة العرب»، التابعة للأمير السعودي الوليد بن طلال. اتخذت من المنامة مقرّاً لمبناها، لكن «الفرحة» لم تكتمل، فبعد أقل من 24 ساعة، أُوقف البث حتى إشعار آخر. سارعت وزارة الإعلام إلى تبرير هذا الإجراء عازية إياه «لعدم إكتمال الأوراق القانونية للملف، وسيُعاد البث ريثما تتعاون إدارة القناة في إكمال ملفها القانوني». إلا أن هذا العذر، لم يستسيغه أحد، وخصوصاً أن أول ضيف استضافته القناة، في أولى ساعاتها، كان نائب الأمين العام لـ«جمعية الوفاق الوطني الإسلامية»، المعارضة، خليل المرزوق.
إذاً، «السلطة الرابعة»، في البحرين، لا حول لها و لا قوة. ويبدو أن المملكة لم تعد تعير إهتماماً لسمعتها. ذاع صيتها دولياً إثر قمعها للصحافيين الأجانب، أيضاً. ففي الشهر الماضي، تصدّر خبر اعتقال الصحافية الأميركية، آنا تيريز داي، مع ثلاثة من فريقها عند تغطيتهم لإحتجاجات الذكرى الخامسة للثورة. فالصحافية الأميركية، تعمل معدة وثائقيات، وكاتبة في صحيفة «الهافينغتون بوست» و«دايلي بيست»، وقد اتهمت بعد إعتقالها ليومين بـ«الدخول غير القانوني إلى البلاد والتخطيط لعمل إجرامي». وقد تعمدت تيريز داي الدخول بتأشيرة سياحية بدلاً من تأشيرة صحافية، لأنه ما كان ليتسنى لها رؤية الحقيقة، التي أرادت توثيقها، على غير هذا النحو. وأكّدت أنها تعرضت لسوء المعاملة ومُنعت من إستدعاء محامٍ أو التواصل مع السفارة أو مع أهلها طوال فترة الإحتجاز.
البعض سمّى حرية الصحافة في البحرين بـ«الأسطورة»، أو «الأكذوبة الكبرى». تعمّدت المملكة الترويج بذلك في كل صوب، عبر إعلامها المضاد والمتمرّس في صياغة الوقائع، بحسب توليفات يريدها، بعيدةً عن الواقع، ومخالفةً للمشاهد حفظتها عيون العديد ممن زاروا البحرين.