استشاط «م.ح» غضباً عندما شاهد المؤتمر الصحافي للمتحدث باسم وزارة الدفاع الذي أعلن فيه تفاصيل قانون التجنيد الإلزامي، ذلك أنه يدخل في إحدى الفئات المشمولة بالقانون. بادر إثر ذلك، بمعية عدد من أقرانه، إلى قيادة حملة على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» لرفض القانون وإطلاق عدد من الصفحات المعارضة للتجنيد الإلزامي.

وتأتي خطوة وزارة الدفاع، بعد نحو 13 عاماً على إلغاء الخدمة الإلزامية مع حلّ الجيش العراقي، في توقيت أثار جدلاً واسعاً بين مؤيدي الفكرة ومعارضيها، فهناك من يراها حلاً سحرياً للقضاء على الطائفية وبناء جيش قوي، فيما يراها الآخرون إعادة لسلطة العسكر وإهانة للشباب، ومن ضمن هؤلاء هناك من يذهب بعيداً في الإشارة إلى أنها ستفتح الباب أمام الانقلابات العسكرية.

يشمل مشروع القانون الفئات العمرية من 19 إلى 45 عاماً

«م.ح» الذي أطلق صفحة على «فايسبوك» باسم «كلا للتجنيد الإلزامي»، بدا متيقناً أن القانون لا يمكن إمراره داخل قبة البرلمان على المدى القريب، نظراً إلى الخلافات والمناكفات السياسية التي سيواجهها، فضلاً عمّا سيثيره من جدل وملاحظات في مجلس شورى الدولة. إلا أن الشاب يبرّر حملته بأن هدفها إيصال رسالة إلى المعنيين، مفادها أن القانون مرفوض من ناحية المبدأ، ولا يمكن تطبيقه على الشباب «المتعسكر أصلاً» هنا وهناك.
القانون سيمرّ في ثلاث مراحل قبل أن يرى النور، في البداية سترسله وزارة الدفاع إلى مجلس شورى الدولة الذي سيدقق فيه ويبدي ملاحظاته عليه، ثم يعيده إلى الوزارة مرة أخرى، لتناقش الملاحظات، ومن ثم ترسله إلى مجلس النواب. هناك، سيحتاج إلى توافق سياسي لعرضه على جدول الأعمال وسط زحمة القوانين والتشريعات، قبل الاطلاع عليه في قراءة أولى وثانية ومن ثم التصويت عليه.
إلا أن المستشار الإعلامي لوزارة الدفاع العراقية نصير نوري الذي كان قد أعلن إنجاز مسودة قانون الخدمة الإلزامية، لفت أيضاً إلى أن مشروع القانون «سيطرح على الرأي العام العراقي من أجل التواصل مع النخب الثقافية والقانونية والإعلامية والسياسية، وإثراء هذا المشروع بأطروحاتهم»، وقال: «إننا بصدد إقامة ورش عمل متعددة توضح تفاصيل القانون من الجوانب الأمنية والسياسية والقانونية».
ولفت نوري إلى أن وزارة الدفاع قطعت شوطاً كبيراً في هذا الجانب، واستكملت متطلبات هذه الخطوة المهمة التي ستسهم في توفير قاعدة احتياطية عريضة للمؤسسة العسكرية. ورأى أن هذا القانون يعد «خطوة مهمة لمعالجة تداعيات قرار حل الجيش العراقي المتسرع بعد عام 2003».
وفي السياق، يشير مصدر قانوني في البرلمان العراقي إلى أن هناك أصلاً دستورياً للتجنيد الإلزامي أو «خدمة العلم»، موضحاً أن المادة التاسعة/ ثانياً من الدستور العراقي أجازت ذلك، على أن ينظم بقانون. وقال المصدر لـ«الأخبار» إن القانون سيمرّ بعدة مراحل قبل أن يصل إلى البرلمان، متوقعاً أن يستغرق إقرار القانون مدة طويلة نظراً إلى وجود عدد من القوانين «المهمة» والمثيرة للجدل التي لا تزال معطلة، أبرزها قانون العفو العام وقانون المحكمة الاتحادية وقانون جهاز مكافحة الإرهاب. إلا أن المصدر توقع أن تكون الفئات العمرية المشمولة بالقانون أكثر المواد إثارة للخلاف بين النواب، خصوصاً أن نصف العراقيين تقريباً سيكونون مشمولين بهذا القانون.
من جهته، أوضح المستشار القانوني لوزارة الدفاع العميد محمد سعدون، في مؤتمر صحافي، أن «مسودة قانون التجنيد الإلزامي تضمنت شمول الفئات العمرية من 19 إلى 45 بالتجنيد الإلزامي، على أن يعتمد التحصيل الدراسي في مدة الخدمة». وأشار سعدون إلى أن «متخرجي الدراسة الابتدائية سيخدمون لمدة عام و4 أشهر، فيما سيخدم متخرجو الدراسة الإعدادية لمدة عام واحد، على أن تشمل الخدمة مدة تسعة أشهر لمخرجي البكالوريوس، مع إعفاء متخرجي الماجستير والدكتوراه».
في مقابل ذلك، هناك من يرى أن مصير هذا القانون الفشل، أو أنه سيزيد الأمور تعقيداً. ومن هؤلاء الجنرال المتقاعد وفيق السامرائي، الذي شغل منصب مدير الاستخبارات العسكرية خلال فترة حكم الرئيس الأسبق صدام حسين، فقد رأى أنّ من «الاستحالة» تطبيق القانون في ظل الظروف الراهنة والفساد المستشري في المؤسسة العسكرية. وكتب السامرائي على صفحته على موقع «فايسبوك»، أنّ «من الظلم لجيل الشباب أن يُكلَّف خدمةً إلزامية قبل اجتثاث الفساد بحزم شديد».
وعلى هذا الصعيد، لفت السامرائي إلى أنه «سيكون من المستحيل تطبيق الخدمة على مواطني كردستان»، موضحاً أن من أبرز ما سيعرقل تطبيق هذا القانون هو التهرّب الذي «سيجري بطريقة فردية أو شاملة بحجج مختلفة، وفي هذا ظلم للآخرين». السامرائي ذهب إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن «نسبة الاستجابة ستكون محدودة جداً»، وأكد أنه «سيكون من شبه المستحيل وجود جندي من الموصل في البصرة أو ضابط وجندي من البصرة في فرقة الموصل».
كذلك، رأى السامرائي أن «العراق لا يعاني نقصاً في عدد الجنود، بل يعاني خللاً في النظام»، مستشهداً بالقول إنه «عندما بدأت الحرب مع إيران كان لدى العراق فقط 12 فرقة، وبضع عشرات آلاف من شرطة وحرس حدود، أما الآن فلديه أكثر من مليون مسلّح».