تونس | جددت أربعة عشر حزباً رفضها العودة إلى الحوار الوطني، ما لم يحصل التوافق أولاً على رئيس الحكومة الجديدة، ورأت في بيان أول من أمس أنّ «الانقلاب» الذي قادته كتلة حركة النهضة مؤشّر خطير يؤكد عدم استعداد الحركة للبحث عن الوفاق مع الفرقاء السياسيين من أجل مصلحة تونس. في الوقت نفسه، شكل عدد من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والأحزاب المنشقة عنه مثل التيار الديموقراطي وحركة وفاء، ائتلافاً في المجلس التأسيسي تحت اسم السيادة للشعب، يضم ٣٥ عضواً من أجل منع الانقلاب على المسار التأسيسي، حسبما قالوا في بيان أصدروه السبت.

هذه المعطيات الجديدة تؤكد صعوبة الوصول إلى توافق بين الفرقاء في تونس، في الوقت الذي تغرق فيه البلاد في أزمة غير مسبوقة، وهو ما يهدد فعلياً استقرار تونس. وأكدت أهم أحزاب المعارضة، مثل نداء تونس والحزب الجمهوري وحزب العمال وحزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد وغيرها، مسؤولية «النهضة» وحزب المؤتمر، وخاصة رئيسه الشرفي رئيس الدولة منصف المرزوقي، عمّا انتهت إليه البلاد.
وفي السياق، أعلن وزير المالية الياس الفخفاخ، أن الحكومة مضطرة في ميزانية ٢٠١٤ إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات، من أهمها رفع الدعم عن بعض المواد الأساسية والترفيع في الضرائب، وهو ما سيعمق بلا شك الاحتجاجات الشعبية التي قد تشعل البلاد وتسبب انتفاضة جديدة أكثر عنفاً؛ إذ إن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس غير مسبوقة بسبب سوء إدارة الدولة وسوء التقدير. واتهم وزير المال المستقيل في حكومة حمادي الجبالي، «النهضة» بوقوفها وراء الكارثة الاقتصادية التي تعيشها تونس بسبب سعيها إلى التعويض لأنصارها الذين سُجِنوا في عهد بن علي وتوظيفهم في الإدارة العمومية، رغم أن إمكانات الدولة لا تسمح بذلك بالمرة.
وقال إن الحكومة سعت إلى عدم رفع الدعم من أجل غايات انتخابية من دون مراعاة الضرورة الاقتصادية التي تستوجب إجراءً كهذا، وإن كان مؤلماً.
وليست المعارضة فقط هي التي ترفض العودة إلى الحوار الوطني فقط، بل إن حزب التكتل من أجل العمل والحريات، شريك «النهضة» في الحكم، يصرّ على تعليق عضوية نوابه في المجلس التأسيسي بعد التعديلات التي قام بها نواب «النهضة» و«المؤتمر» مع بعض النواب المقربين منهم على القانون الداخلي للمجلس التأسيسي، ما عُدّ انقلاباً على المسار الانتقالي.
أمام هذا الانسداد الكامل وتعطل الحوار الوطني، ينتظر التونسيون بكثير من الخوف إعلان نتائج الحوار قبل اللجنة الرباعية الراعية للحوار الوطني اليوم، إذ ينتظر أن تتخذ قرارات حاسمة تجعل الترويكا أمام الأمر الواقع بعد أن تبين استعدادها لالتزام خريطة الطريق التي وقّعتها «النهضة»، فيما رفضها «المؤتمر» في تبادل واضح للأدوار.
وتنص خريطة الطريق على استقالة الحكومة يوم ١٥ تشرين الثاني الجاري ويتوقع أن تعلن الرباعية الراعية للحوار اسم مرشحها لرئاسة الحكومة، بعدما عجزت الأحزاب عن التوافق على مرشح واحد؛ اذ تتمسك «النهضة» بأحمد المستيري، فيما ترفضها أربعة عشرة حزباً من أهم أحزاب المعارضة.
لكن ليس هذا هو السيناريو الوحيد الذي يمكن أن يحدث؛ فربما فرضت «النهضة» مع الرئيس المرزوقي وحزبه الأمر الواقع، وذلك باستقالة الحكومة وتكليف الرئيس للمستيري تشكيل الحكومة، وهو حق يمنحه له القانون المنظم للسلط العامة. لكن هذا السيناريو، رغم إمكانية تحققه وشرعيته القانونية، إلا أنه سيكون اختياراً محفوفاً بالمخاطر؛ إذ سينسف أي إمكانية للحوار مستقبلاً، وسيفتح الباب للاحتجاجات الشعبية التي قد تهدد استقرار البلاد؛ إذ لا أحد تقريباً من التونسيين خارج «النهضة» و«المؤتمر» الذي لم يعد له أي حضور في الشارع، يمكن أن يقبل ببقاء الترويكا في الحكم بعد عام من انتهاء شرعيتها.
في هذا المناخ المتوتر سياسياً والخطير أمنياً واقتصادياً، أعلن رئيس حزب «الحركة الدستورية» رئيس وزراء بن علي لمدة عشر سنوات ونائبه في رئاسة الحزب الحاكم التجمع الدستوري الديموقراطي الذي حُلّ بعد الثورة، حامد القروي، الهيئة السياسية للحزب الجديد. وتضم الهيئة مئة عضو من بينهم عدد كبير من كبار الوزراء والمحافظين وكبار مسؤولي الدولة في عهد بن علي، مثل آخر وزير نقل عبد الرحيم الزواري، الذي كان أميناً عاماً للحزب الحاكم ووزيراً للخارجية والعدل والتربية والفلاحة والسياحة. وكذلك علي الشاوش، الذي كان أميناً عاماً للحزب الحاكم ووزيراً للداخلية والشؤون الاجتماعية وبعض المحافظين في محافظات هامة مثل القيروان والكاف والمهدية.
ويدافع «الحركة الدستورية» عن منجزات حكم بن علي ومكتسباته، فيما لم يلق ظهور هذا الحزب أي معارضة من الناشطين ولا من الأحزاب السياسية، بما فيها حركة النهضة وحزب المؤتمر، ولا من رابطات حماية الثورة، على عكس حزب نداء تونس بزعامة الباجي قائد السبسي، الذي ترشحه كل استطلاعات الرأي المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة.
هذا ما دفع ببعض المحللين إلى الاعتقاد أن «النهضة» هي التي تقف وراء دفع القروي إلى تأسيس هذا الحزب مقابل غض الطرف وغلق عديد من الملفات القضائية لعدد من كبار من مسؤولي النظام المخلوع من اجل قطع الطريق على حركة نداء تونس والتشويش عليه.
ورأى رئيس مرصد القضاء المعارض الشرس لبن علي، أحمد الرحموني، أن حزب الحركة الدستورية هو امتداد للتجمع الدستوري الديموقراطي الحاكم سابقاً وأنه مخالف للقانون.