القاهرة ـــ الأخبار

تحل اليوم الذكرى الثانية لأحداث محمد محمود في ظل أزمة مستمرة منذ عزل الرئيس المصري محمد مرسي، وحال من الصراع السياسي والانقسام بين الثوار وجماعة الإخوان المسلمين، فضلاً عن احتقان لدى القوى الثورية لعدم محاكمة المسؤولين عن تلك المجزرة التي أدت إلى مقتل 42 شخصاً وجرح المئات ممن كانوا يدعون إلى تسريع تسليم السلطة إلى حكومة مدنية.
وتزداد المخاوف في مصر من أن يؤدي إحياء الذكرى اليوم إلى مواجهات وفوضى بسبب تنوع الجهات التي أعلنت مشاركتها فيها، واختلاف توجّهاتها، من مؤيدة للحكومة الجديدة، وأخرى للجيش، وثالثة لـ«الإخوان»، ورابعة ترفض «الإخوان» و«العسكر»، إضافة إلى جماعة الإخوان المسلمين نفسها التي لم تشارك الثوار أصلاً في تلك التظاهرات التي استمرت لمدة ستة أيام، وكل ذلك يأتي في ظل وجود أمني كثيف بعد التهديدات التي أطلقتها الحكومة من أن أي محاولة للإخلال بالأمن ستواجه بحزم شديد.
واستبقت الحكومة فعاليات اليوم بوضع رئيسها حازم الببلاوي، أمس، الحجر الأساس للنصب التذكاري لشهداء ثورتي «25 يناير» و«30 يونيو» في ميدان التحرير، وهو مكوّن من الحجر الهاشمي وتتوسطه جدارية من الرخام كُتبت أسماء شهداء الثورة عليها، إضافة إلى افتتاحه مشروع تطوير الميدان. لكن لم تمض ساعات حتى هاجمه متظاهرون وحطموه تحت عنوان أنه «لم يكن نصباً للشهداء بل نصباً للعسكر»، بالتزامن مع هتافات تشتم مرسي والسيسي، بينها «كلمة فودنك مني يا سيسي، أوعا تحلم تبقى رئيسي» و«ثوار أحرار حنكمل المشوار».
ورأى الناشط السياسي أحمد حرارة، الذي فقد عينه في أحداث محمد محمود، أن «هناك مصيدة ستحدث لشباب الثورة الذين يحيون الذكرى اليوم»، لافتاً إلى أن «المستفيد منها هو النظام الحالي، والمجلس العسكري الحالي». وأكد أن «إعلان الإخوان تضامنهم للنزول لإحياء الذكرى استفزاز واضح لشباب الثورة».
بدورها، أكدت جبهة «طريق الثورة»، التي ينتمي إليها الثوار، أن هذه الذكرى «هي مناسبة للخروج لتجديد المطالب، مشيرة إلى أهمية تلك الذكرى التي شهدت مواجهات راحت فيها عيون أحمد حرارة، ومالك مصطفى، وعشرات غيرهم، ولم تتم محاسبة قنّاصي العيون فيها حتى الآن». وحددت الجبهة المطالب التي يتجدد رفعها هذا العام، ويأتي في مقدمها «القصاص، وتطهير وزارة الداخلية من كل القتلة والفاسدين ومحاكمتهم، وضمان عدم تكرار جرائمهم، ومحاكمة قيادات الداخلية ممن تورطوا في قتل شباب الثورة»، مؤكدةً أنه «لا مصالحة مع الداخلية إلا بعد محاسبة كل المجرمين».
بدورها، أعلنت حركة الاشتراكيين الثوريين، على لسان القيادي فيها هيثم محمدين، دعوتها إلى التظاهر ﻹحياء الذكرى. وحمّل محمدين مؤسسات الدولة مسؤولية أي عنف محتمل يحدث هذا اليوم، موضحاً أن «القوى الثورية قررت ألا تكون فعالياتها في هذا اليوم احتفالية، بل من أجل تجديد رفع مطالب الثورة التي لم تتحقق، وتلك التي تتعلق بحقوق الشهداء في أحداث محمد محمود، وعلى رأسها المطالبة بالقصاص من قيادات وزارة الداخلية المسبّبة لقتل المتظاهرين، ومحاكمة قيادات المجلس العسكري السابق».
من جهته، توقع أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، أحمد عبد ربه، في حديث إلى «الأخبار»، أن تشهد فعاليات إحياء ذكرى محمد محمود اليوم «مزيداً من الدماء التي لم تتوقف، تؤدي بدورها إلى زيادة واستمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار في البلاد». وقال عبد ربه «الواقع يطرح سيناريو الصدام بين ثلاث قوى موجودة في الشارع، هي: الإخوان الذين سينزلون من أجل المزايدة على الثوار، ومن أجل دماء أنصارهم التي سالت بعد قرار عزل مرسي، من جهة، ووزارة الداخلية التي تستهزئ بالشعب بعدما رفضت إجراء تحقيقات حقيقية، أو تسليم المتهمين بقتل الثوار وإصابتهم في محمد محمود، من جهة ثانية، والثوار الذين سينزلون رفضاً للإخوان وأنصارها، وأنصار وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي من جهة ثالثة».
ورأى أستاذ العلوم السياسية أن نزول الإخوان الآن في ذكرى محمد محمود بعدما تخلّوا عن ثوارها، سيزيد من حدة الاستقطاب الموجودة في الشارع، بسبب نزول الثوار في الأساس ضد الإخوان وضد الداخلية، مستغرباً إقامة الحكومة لنصب تذكاري لشهداء ثورتي «25 يناير»، و«30 يونيو» التي لم يسقط فيها ضحايا من الأساس.
وعلمت «الأخبار» من مصادر في جماعة «الإخوان» أنها «أصدرت أوامرها لمختلف شعبها بإحياء الذكرى بعيداً عن ميدان التحرير أو شارع محمد محمود»، موضحةً أنهم «سيحيون الذكرى أمام منازل بعض الشهداء وقصر القبة».
وترى أوساط ثوار ذاك اليوم أن وزارة الداخلية «تنسى أو تتناسى أنها من قتلت وجرحت مئات المشاركين في أحداث محمد محمود، ولكن الفضاء الإلكتروني لم ينسَ، بل سجّل كل شيء. ففي ذلك الوقت انتشر بقوة فيديو الضابط الذي أشاد بالقناصة، وقوله الشهير آنذاك (جدع يا باشا جات في عين الواد)». كذلك انتقدت المجلس العسكري الذي كان يتولى الحكم في ذلك الوقت والذي «اتهم طرفاً ثالثاً ووعد بالتحقيق في الأحداث على لسان المشير محمد حسين طنطاوي، إلا إنه لم يبدأ بذلك بعد».
في المقابل، تؤكد الأجهزة الأمنية والعسكرية أن «التحقيقات أمام القضاء، ولا يمكن التطرق إلى التفاصيل القانونية المتعلقة بها قبل صدور الأحكام القضائية»، لافتة إلى أن «مصر كانت في فترة ما قبل وما بعد محمد محمود تعاني من حالة فوضى عارمة». وتشير مصادر تلك الأجهزة إلى أن «هناك 9 مكاتب مخابرات كانت تعمل لإسقاط النظام خلال فترة الحكم العسكري بالتعاون مع أجندات قوى داخلية تلتحف بالعباءة الدينية، بهدف إشاعة الفوضى في البلاد لتحقيق مخططات دبرتها بعض الدول لإقامة حلم الشرق الاوسط الجديد أو الكبير».
وأضافت المصادر أن «الدوائر القضائية تعمل بحرص شديد في هذه القضايا الشائكة التي تتعلق بأرواح المصريين الأبرياء»، مشيرة إلى أن «إحدى الدول التي تشترك في الحدود الشرقية لمصر، تولّت مهمات قنص المصريين فى عيونهم وقلوبهم لإشعال فتيل المصادمات بين رجال وزارة الداخلية والمتظاهرين في محمد محمود، وهذه الكيانات والعناصر الإجرامية كانت بطل عملية اقتحام السجون وتهريب المسجونين، الذين تقلدوا في ما بعد مهمات إدارة البلاد».