صنعاء | تتفوّق السعودية دائماً على اليمن؛ في السياسة والرياضة والاقتصاد والجغرافيا وحتّى في الغناء والموسيقى. يترقب أمراء آل سعود صعود نجم غنائي يمني شابّ فيأخذونه إليهم ويمنحونه مالاً وجنسية. يحدث هذا التفوق طوال القرن الماضي وإلى الآن. هو تفوق تدعمه ضعف البنية السياسية اليمنية وارتباط رموز كثيرة منها بالنظام السعودي نفسه من خلال «اللجنة الخاصة» التي يقوم آل سعود عبرها بصرف رواتب شهرية متفاوته لقادة سياسيين كبار وزعماء قبائل وأركان عسكرية وأكاديميين بارزين. وهذا أمر معروف ولا تتخذ السلطة اليمنية تجاهه أي إجراء باعتباره نوعاً صريحاً من العمالة.

لكن يبدو، بحسب ما تصاعد من رأي شعبي عام في كل اتجاه، أن الحظ قد أتى أخيراً ليمنح اليمنيين تفوقاً ونقطة تقدّم ولو من جهة لم تكن في بال أحد. تفوق من جهة الحب الذي جرى بين فتاة سعودية من منطقة عسير تدعى هدى آل نيران (22 عاماً) وشابّ يمني اسمه عرفات القاضي (26 عاماً) كان يقيم في المملكة ويعمل في محل لبيع مستلزمات الهواتف المحمولة.
حصل غرام بين الاثنين، وتقدم الشاب اليمني من أهلها لكنّه لقي رفضاً صريحاً لكونه، بحسبهم، يمنياً لا يليق بالزواج بسعوديّة. لكن نهر الحب لم يتوقف هنا، من جهة الفتاة السعودية على الأقل، التي رفضت الاقتران بقريب لها وأصرّت على رفضها.
أما الشاب الذي رضخ للأمر الواقع، فلم يتخيّل أنه وهو في محل عمله سيتلقى اتصالاً هاتفياً من «منفذ الطوال البري» الحدودي الذي يصل بين المملكة واليمن، حاملاً صوت هدى. لقد قررت دخول اليمن وتقديم طلب لجوء إنساني، طالبة من العاشق اليمني اللحاق بها.
وانتشر الخبر إعلامياً، فتَغيّر مجرى القصة من الحب إلى السياسة، إذ لم تكن السعوديّة راغبة في هذا الأمر. كانوا يرغبون في استعادة الفتاة «الهاربة» بهدوء من دون علم أحد كي لا تتحول الواقعة إلى لعبة شهيّة بين أيدي راغبات أخريات بالهرب. دفع هذا بالسلطات السعودية إلى مخاطبة الحكومة اليمنية بغية أن يتم أمر استعادة الفتاة بهدوء، لكنّ الخبر كان قد صار بين أيدي إعلاميين يمنيين لم يقعوا بعد تحت سطوة السفير السعودي لدى صنعاء علي بن محمد الحمدان. وعليه عرف الجميع بالأمر ودخل الإعلام السعودي على الخط مرغماً وظاهراً كأنما يسير تحت أوامر عليا تريد حفظ ماء الوجه الملكي من أن يراق على ساحة المجتمع اليمني. لكنه ظهر كإعلام غير متمرس؛ بعضه قال إن والد الفتاة أعلن أن الشاب اليمني فعل لها سحراً، فيما أكدت صحف أخرى أن الفتاة تعرضت لحالة خطف من قبل ثلاثة يمنيين.
صار للقضية حينها أن تأخذ بعداً رسمياً معلناً وأن تظهر الأصابع السعودية بوضوح وكيف تقدر على تحريك المشهد السياسي اليمني. تدخل النائب العام وأمر برفع قضية ضد هدى بتهمة الدخول غير المشروع إلى البلد. مسألة تحدث للمرة الأولى، أن يتفرغ النائب العام، تاركاً كل قضايا اليمن الملحة لرفع قضية مثل هذه. «قضية دخول غير مشروع في بلد لا تسيطر الدولة عليه بشكل صريح»، يقول الناشط اليمني والمدوّن عبد القوي الناعس، في حين تم اتهام الشاب اليمني عرفات بتهمة مساعدة الفتاة على الدخول غير المشروع.
لن تتوقف مسألة الإذعان الرسمي اليمني لرغبات السلطات السعودية عند حدود النائب العام، إذ ستصل إلى وزير الداخلية عبد القادر قحطان، الذي رفض الردّ على رسالة من وزيرة حقوق الإنسان حورية مشهور، بالسماح لمفوضية اللاجئين بزيارة الفتاة المحتجزة كي تتسلم منها طلب اللجوء الإنساني. وعليه صارت هدى بمواجهة سلطتين: السعودية واليمنية.
مع هذا، كان لا بد من فعل شيء لترطيب مشاعر المواطنين السعوديين. وجّه السفير السعودي تصريحاً عبر إحدى صحف المملكة يؤكد فيه أن الفتاة ستعود إلى أهلها خلال أيّام «لأن قاضي المحكمة سيصدر أمراً بإعادتها» الأحد المقبل في جلسة مقررة سلفاً. اكتملت هنا كل أشكال السيطرة السعودية على الداخل اليمني بفضل البترودولار.
وهكذا بقيت هدى السعوديّة أمام الجميع بمفردها إلى جوار محامٍ وكّلته منظمة حقوقية. محامٍ خرج ليعلن ما قالته الفتاة داخل الجلسة السريّة؛ ناشدت اليمنيين بحسب الأعراف القبلية وأمر الاستجارة. قالت إنهم سيقتلونها لو عادت إلى بلدها، بينما يقبع العشيق في سجن آخر.
إلا أن ما بقي من المشهد وسط حالة الارتخاء الرسمية اليمنية أمام التسلّط والسطوة السعودية، دور لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» التي طالبت الحكومة بوقف أمر ترحيل هدى.