على قولة الطيراوي ابن اليرموك «خطرة (مرة يعني) كنا قاعدين، ونازلين تنظير، هاد يقول بالنسبية، والثاني يقول بالفلسفة الوجودية، والثالث بالشيوعية وماركس، طبعاً الاغلبية بحكوا بماركس وماركسيتو، ومش عارفين الله وين حاططهم، بس «اللقوطة» من هون وهون منيحة، وبتكفي لحديث بسيط، ومش عميق، وبتجعل للرفيق حضور بمجالس ما يسمى بالمثقفين.

كنا يومها ولاد، كبرنا. اللي قرأ فينا قرأ، واللي تخرج وبلش شغل كب النضال والفكر التقدمي ورا ظهرو وخلص. بدو يعيش الرفيق ويجمع فلوس ويتزوج! وكل الأيام الماضية صفيت عندو مجرد شوية ذكريات، بيطبّق بنت من خلاله، كونو عندو تاريخ «نضالي» مغر.
بيتأثر رفيقنا بمنظر الشهدا، بغزة وبلبنان، وقت حرب تموز، وبيتأثر أكتر بمعادلات السياسة لما ينحكى فيها قدامو من ناس بسطاء، لما يستعيد جلسات زمان، ويستعيد شو كان ينحكى من مصطلحات وفذلكات، ويبدا ينقر محاضرة برب هالمساكين الصادقين بخوفهم وحسرتهم على الناس.
دارت الأيام وولعت الدنيا بسورية، وقامت القيامة وبطلت عارفة تقعد! في اللي سماها ثورة، واللي سماها انتفاضة، واللي سماها مؤامرة.
بالمخيم كان عنا من هالشباب كتير، وكلهم ولاد مكاتب التنظيمات الفلسطينية. كنا نقعد نشرب قهوة وشاي، ونحكي سياسة، ونطلع نمشي بـ«باب توما» و«باب شرقي»، ونمر ع «نينار» ونشربلنا كاسين بيرة. كانت هاي الممارسات (ضروريات المثقف الثوري) اللي عم ينتظر قيام الثورة للانخراط في صفوفها. ايه بس أي ثورة؟ وكيف بدها تقوم؟ ما حدا بيعرف، ولا حدا دخلو. زيادة ع هالشي، كنا عايشين مع بقايا مناضلين الثمانينيات من القرن الماضي، أيام ما كانت الثورة الفلسطينية بعزها. هدول المناضلين السابقين، صفيوا ولاد مكاتب، مضطرين يبقوا فيها لأنو بعد الإحباط، والهزائم المتكررة، ما صفيلهم راتب يعيشوا ويطعموا ولادهم، إلا راتب المكتب. وما عاد إلهم شي يعملوه أكثر من حديث يدور، وواحد يعيد سرد ذكرياتو، وبطولاتو يوم فجّر الدبابة الإسرائيلية. طبعاً، إلا من رحمه ربي، لأنو في منهم بيعرف الحقيقة، وبعرف إنو بطّل يقوم لتنظيمه قايمة وخلصت! ف بيجي ع المكتب عشان يمرّق وقت، وخالصة، والله غالب. وشوية إحساس من شب صغير قدامو إنو كان مناضل وإلو احترامو وبكون كتييييير منيح!
الحقيقة هدول مظلومين، بعرفش بالضبط مين ظلمهم، مين خلاهم هيك؟ هي قيادة فاشلة، ولا ثورة انتهت، ولا....
المخيم راح، بس قبل ما يروح المخيم، كانوا الكبار من اللي خاضوا المعارك زمان، بيحكوا «خلّي اليرموك يتحاصر كام يوم وبتخلص!».
إيش هي اللي بتخلص؟ الله وحدو بيعرف. بس الحس النرجسي اللي عند الفلسطيني، واللي توارثناه بدون ما نعرف ليه وكيف، هاد الحس بخليه ما يقبل إنو الفلسطيني الثائر أبو الثورة والثوار، يتحاصر، وكأنو سوبرمان.
اللي لحد اليوم ما صحينالو إحنا الفلسطينية، إنا بعدنا ما عملنا إشي كبير. أرضنا محتلة من 65 سنة، وثورتنا إلها، تقريباً 48 سنة، ولهلأ إيش إنجازنا الكبير عالأرض؟ ولا إشي! مش إحباط، ولا تقليل من شأن الشهداء اللي منرفع رأسنا فيهم كشعب فلسطيني، ولا تقليل من قيمة أسرانا، التاج على رؤوسنا، ولكن أرضنا ما زالت محتلة، وبعدو تقريباً نص الشعب مشرد ولاجئ. مش إحباط والله، بس يمكن صار لازم نخضع للنقد الذاتي بعد الهزائم.
أنا كفلسطيني يمكن بعرف ليه إحنا نرجسية، ومش شايفين حدا قدامنا، لأننا ناضلنا، وكنا مجانين بنضالنا، من كثر ما كنا جميلين، وثورتنا استقطبت مناضلين العالم لصفوفها، وكنا رومانسيين وحالمين، وحبابين، والفدائي الفلسطيني كان بيشبه أبطال الأساطير، وأبو عمار رمز، بس بعدنا عالأرض بلا ولا شي. يمكن نرجسيتنا لنعوّض هال «ولاشي».
كنا باليرموك، قبل ما يصير أطلال، نعمل على إنو فلسطين بكره، وكنا كمان نعتبر حق العودة بكره، و«فلسطين لازم ترجع لازم تعود/ ونحط الراية الحمراء على الحدود/ ونحط الراية السوداء عَ تل أبيب/ فلسطين لازم ترجع يا إم الكنزة/ ونحط الراية الخضرا على غزة»، هذا هتاف كان يزلزل المخيم في المظاهرات خلال الانتفاضة، اليوم أين الانتفاضة؟ اليوم نهتف «الشعب يريد العودة إلى اليرموك».
ومكاتب الفصائل ومن كان فيها، ليسوا فيها، خرجوا مع من خرج من المخيم، والشباب هاجروا وسافروا كل إلى سبيله، وحلمه الشخصي. وحلم فلسطين صار في غياهب النسيان، سنذكر به، كلما تذكرنا اليرموك، لنقول، ثمة مؤامرة حيكت على حق «عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منها عام 48».